المقالات

بين السيادة والالتزام الدولي ..السعودية تحسم قواعد اللعبة في اليمن

لا يمكن قراءة بيان وزارة الخارجية السعودية بشأن الاحداث الأخيرة في اليمن بوصفه رد فعل ظرفي او توصيفاً سياسياً عابراً لتطورات ميدانية، بل هو تعبير صريح عن مقاربة دولة ترى في الأمن التزاماً قانونياً، وفي الاستقرار الإقليمي مسؤولية لا تقبل انصاف الحلول، البيان في بنيته ومضامينه يعكس انتقال المملكة من موقع إدارة التوازنات الى موقع إعادة تعريف القواعد الحاكمة للصراع وحدود الحركة داخله.

المملكة لا تتحدث هنا عن اليمن كجغرافيا معقدة، بل كدولة ذات سيادة تمثل شرعيتها الإطار القانوني الوحيد المقبول لتنظيم السلطة والسلاح والعلاقة مع الخارج، ومن هذا المنطلق فان أي تحرك عسكري او سياسي خارج هذا الإطار لا ينظر اليه كخلاف داخلي بل كإخلال صريح بمبدأ الشرعية وتهديد مباشر لمنظومة الامن الإقليمي التي تتأثر بطبيعتها باي انزلاق في خاصرتها الجنوبية.

البيان يعكس وعياً سعودياً بان الفوضى لا تبقى محلية، وان اختلال موازين القوة داخل دولة هشة كاليمن سرعان ما يتحول الى تهديد عابر للحدود يمس امن الجوار ويهدد خطوط الملاحة الدولية ويضع استقرار أسواق الطاقة امام مخاطر لا يمكن التعامل معها بمنطق التجزئة، ولهذا فان تشديد المملكة على رفض فرض الامر الواقع بالقوة لا ينبع من حسابات سياسية ضيقة، بل من إدراك قانوني واستراتيجي بان بقاء الدولة هو الشرط الأول لأي تسويه مستدامه.

كما يحمل البيان رسالة واضحة تتجاوز الداخل اليمني مفادها ان التحالفات لا تدار بتعدد الاجندات وان العمل المشترك يفقد معناه متى ما تحول الى مظلة لتغذية الانقسام او إعادة انتاج الصراع بصيغة جديدة، فالمملكة وهي التي اخذت على عاتقها الملف اليمني بناء على طلب الشرعية تؤكد ان هذا الاساس ليس تفصيلاً اجرائياً بل جوهراً قانونياً لا يمكن تجاوزه او إعادة تفسيره وفق مقتضيات اللحظة.

وفي بعده الإقليمي والدولي ينسجم البيان مع الدور الذي تضطلع به المملكة كفاعل رئيسي في حفظ الاستقرار لا كمجرد طرف في نزاع، فالمملكة خلال السنوات الأخيرة اثبتت انها تميل الى خفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية والانخراط في مسارات الوساطة ادراكاً منها بان إدارة الازمات لا تقل أهمية عن منع نشوبها، غير ان هذا النهج لا يعني التساهل مع ما يمس السيادة او يهدد امنها الوطني وهو ما يفسر الحزم الواضح في لهجة البيان دون ان ينزلق الى التصعيد.

اللافت في الخطاب السعودي انه يجمع بين الصرامة والانفتاح، صرامة في تثبيت مرجعية الشرعية والدولة وانفتاح على حل سياسي شامل لا يقصي احداً لكنه لا يسمح في الوقت نفسه بتقويض الأساس القانوني للدولة اليمنية، هذا التوازن يعكس خبرة دولة تدرك ان السلام لا يفرض بالقوة ولا يبنى على الفوضى.

يبعث البيان السعودي برسائل واضحة الى كل الأطراف المعنية ، فالرسالة الأولى للمجلس الانتقالي الجنوبي وهي بمثابة تحذير من مغبة تجاوز حدود الشرعية حيث تشير المملكة ضمنياً الى ان أي موقف آحادي او استغلال للقوة في حضرموت او المهرة سيكون محل مسألة سياسية وعسكرية، وقد يؤدي الى تقييد قدرة المجلس على المناورة داخل المشهد اليمني، والرسالة الثانية الى دولة الامارات العربية المتحدة حيث يوضح البيان تصحيحاً مباشراً للمسار التحالفي ويعيد رسم حدود العلاقة ضمن اطار التحالف العربي مؤكداً ان أي تجاوز للشرعية يعتبر تهديداً للأمن الإقليمي وهو ما يضع ابوظبي امام ضرورة مراجعة تحركاتها العسكرية والسياسية في اليمن بما ينسجم مع مصالح الامن الجماعي والتحالف، والرسالة الثالثة على الصعيد الإقليمي فالبيان يحمل دلالات استراتيجية واسعة، فالرسالة على هذا المستوى موجهه الى جميع الفاعلين في المنطقة بان المملكة لن تتهاون في حماية امنها الوطني او الاستقرار الإقليمي وان أي استغلال للصراعات الداخلية لأغراض خارجية سيقابل بحزم وفق ما تقضية مصلحة الوطن.

هذا الموقف قد يؤدي الى إعادة ضبط المعادلات في الخليج واليمن ويضع الأساس لمرحلة جديدة من إدارة الازمات الإقليمية تقوم على الشرعية وحماية الدولة كمحدد أساسي بعيداً عن الفوضى والتحركات الأحادية التي قد تهدد الامن الجماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى