المقالات

إعادة قراءة تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام بين سردية التاريخ والدليل المادي

لم يكن تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام غائبًا عن كتب المؤرخين المسلمين الأوائل، لكنه كُتب – في الغالب – من زاوية مخصوصة، هي زاوية التحول الديني الكبير الذي مثّله ظهور الإسلام. وفي سياق تعظيم هذا التحول، تراجعت قراءة الجزيرة العربية بوصفها فضاءً حضاريًا ممتدًا عبر قرون طويلة، لتُختزل أحيانًا في توصيفات قيمية عامة، لا في تحليل تاريخي لمسار اجتماعي واقتصادي وثقافي متكامل.

لم يكن المؤرخ المسلم في القرون الهجرية الأولى مؤرخًا بالمعنى الأكاديمي الحديث، بل كان في الغالب فقيهًا أو محدثًا أو راوي أخبار، ينظر إلى الماضي من منظور العبرة والوعظ. وهنا تحوّلت «الجاهلية» من مصطلح زمني إلى مفهوم قيمي ذي بعد عقائدي، يُقاس من خلاله ما قبل الإسلام بوصفه نقيضًا أخلاقيًا لما بعده، لا مرحلة تاريخية لها سياقها وبنيتها الخاصة.

وقد انعكس هذا الإطار المنهجي في أعمال عدد من كبار المؤرخين؛ فـ الطبري، على جلالة قدره وأهمية مصنفه، قدّم تاريخ العرب قبل الإسلام في صورة سرد روائي قائم على الأخبار والأنساب، دون اهتمام يُذكر بتحليل البنية الاقتصادية أو أشكال التنظيم الاجتماعي. كما أن ابن هشام تناول المرحلة السابقة للإسلام بوصفها خلفية أخلاقية تُبرز قيمة التحول الإسلامي، لا مرحلة حضارية قائمة بذاتها.

ويُلاحظ كذلك أن اهتمام المؤرخين العرب بتاريخ أسلافهم الذين عاشوا في الجزيرة العربية قبل الإسلام جاء محدودًا، رغم ما تكشف عنه الآثار والنقوش من دلائل واضحة على وجود حضارات عربية زاهرة. ويعود ذلك، في جانب منه، إلى استحواذ أحداث التاريخ الإسلامي الكبرى على اهتمامهم، وإلى النظرة القيمية الخاصة التي حُمّلت بها تلك الحقبة لما ساد فيها من تقاليد تعارض ما جاء به الإسلام. كما يُضاف إلى ذلك عدم إلمامهم بقراءة النقوش القديمة وتفسيرها، وهي نصوص وثّقت أخبار تلك الشعوب وحياتها، فبقي تاريخها خارج دائرة التدوين إلى أن أعادت الكشوفات الأثرية الحديثة فتح ملفه من جديد.

ومع ذلك، لا يصح تعميم هذا التوصيف على جميع المؤرخين المسلمين. فقد اقترب بعضهم – بدرجات متفاوتة – من رؤية أكثر اتساعًا. ويبرز هنا المسعودي، الذي أبدى وعيًا بالجغرافيا والتجارة وعادات الأمم، ووسّع أفق النظر خارج الثنائية الصارمة بين الجاهلية والإسلام. كما قدّم ابن خلدون إطارًا نظريًا لفهم العمران البشري، محاولًا تفسير الظواهر الاجتماعية وفق قوانين عامة، وإن ظل هو الآخر أسير حدود مصادر عصره.

غير أن التحول الحقيقي في فهم تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام لم يبدأ إلا مع دخول المصادر المادية إلى دائرة البحث العلمي، وفي مقدمتها الكشوفات الأثرية والنقوش العربية القديمة. فقد نقلت هذه الشواهد تاريخ الجزيرة من فضاء الرواية المتأخرة إلى مجال الشاهد المادي المباشر. فالنقوش كُتبت في زمنها، وعلى أرضها، وبأيدي أصحابها، وسجّلت تفاصيل الحياة اليومية من عقود، وديون، وعبادات، وأسماء أشخاص، ونشاطات اقتصادية، دون وساطة زمنية أو إسقاطات لاحقة.

وبفضل هذه الشواهد، قفزت دراسة تاريخ الجزيرة العربية خطوات واسعة نحو الحقيقة التاريخية، وسقطت صورة «الفراغ الحضاري» التي رسختها بعض السرديات القديمة. فقد كشفت النقوش عن مجتمعات عربية فاعلة، متصلة بمحيطها الإقليمي، ومنخرطة في شبكات التجارة والسياسة والدين في العالم القديم.

وفي هذا السياق، تتجلى القيمة الكبرى للآثار والنقوش في أنها لا تُقدّم رواية مضادة بقدر ما تُعيد ترتيب المشهد التاريخي، وتكشف حدود السرد القيمي حين يتجاوز وظيفته الوعظية إلى تفسير التاريخ. فالنقوش لا تُدين ولا تُجمل، بل تشهد. وهي بذلك تُمكّن الباحث المعاصر من الفصل بين ما هو إيماني عقدي، وما هو تاريخي حضاري، دون تعارض أو إسقاط متبادل.

إن إعادة قراءة تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام ليست مواجهة مع التراث، ولا انتقاصًا من جهد المؤرخين المسلمين، بل هي ممارسة علمية مشروعة، تُعيد وضع تلك الكتابات في سياقها الزمني والمعرفي، وتفتح الباب أمام كتابة تاريخ أكثر توازنًا، يليق بمكانة الجزيرة العربية في التاريخ الإنساني.

أ.د فتحية بنت حسين عقاب

جامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى