المقالات

الجودة في التعليم الجامعي

جاء مقال الدكتور عدنان الأحمدي، الذي نُشر في صحيفة عكاظ بتاريخ (2 يناير 2026م)، لافتًا ومثيرًا للتأمل، إذ تناول مفهوم الجودة في التعليم العالي بوعي نقدي إجرائي لمفهوم «الجودة»، وقدم قراءة واسعة ومعمّقة حول جدوى الممارسات السائدة المرتبطة بمفهوم الجودة في التعليم الجامعي. وقد كشف هذا السياق عن أزمة هيكلية مزمنة، فقدت معها محاولات إصلاح التعليم بعدها المعرفي، لتغدو نشاطًا بيروقراطيًا يُقاس بعدد الملفات لا بعمق الأثر. فبينما يُفترض أن تكون الجودة أداة لتحرير العقل الأكاديمي وتعظيم أثره، أضحت في كثير من مؤسساتنا عبئًا إداريًا يستهلك الزمن والجهد، ويفرغ الرسالة التعليمية من هدفها الجوهري.

إن المفارقة التي يضيئها المقال لا تكمن في فشل الفكرة، بل في إساءة تطبيقها؛ إذ اختُزلت الجودة في قوالب توثيقية تُرضي الجهات المعيارية، بينما غاب السؤال الجوهري والأساسي:
ماذا تغيّر في مفاهيم الطالب/ـة؟ وما الذي أُضيف إلى رصيد المعرفة والبحث والتفكير الناقد؟
ومن هنا يفرض المقال سؤالًا تحسينيًا أعمق: هل نُحسن القياس والتقويم أم نُحسن التعليم والدور التربوي؟ وهل يمكن لجودة تُثقل كاهل عضو هيئة التدريس أن تُنتج تعليمًا نوعيًا وتعلّمًا حقيقيًا؟

هذا الطرح يُمهّد للحديث عن ضرورة إعادة تعريف «الجودة» بوصفها أثرًا لا ملفًا، ونتيجة لا إجراء؛ جودة تضع الطالب والطالبة في صدارة أولوياتها المعرفية، وتعيد للأستاذ الجامعي دوره الطبيعي بوصفه صانع معرفة لا ناسخ نماذج، تُطلب بنهاية كل فصل دراسي وقد تفوق خمسين ملفًا، بواقع عشرة ملفات لكل مادة، تُسلَّم كاملة، وربما لا تُسلَّم، وإن سُلّمت فاحتمال أن تحتوي معلومات مغلوطة. فالجودة التي لا تُثمر فهمًا أعمق، ولا تُفعّل البحث والابتكار والنقد والتفكير، ليست سوى واجهة أنيقة لفراغ تعليمي يحتاج إلى مراجعة وقرار شجاع، لا إلى مزيد من الأوراق والملفات المختومة مقابل استيفاء متطلبات اعتماد أكاديمية، مع إغفال الاهتمام بالمخرجات والتأهيل لسوق العمل.

خلاصة القول، إن تطوير الطلبة في التعليم الجامعي لا يتحقق بتكثيف الإجراءات البيروقراطية، بل بإعادة توجيه الجهود نحو جوهر العملية التعليمية، وتحرير عضو هيئة التدريس من أعباء توثيقية تستنزف وقته على حساب دوره المعرفي والتربوي، والاكتفاء بتقرير مفصّل من مدرس المادة يوضح فيه السلبيات والإيجابيات، ونقاط القوة والضعف لدى الطلاب والطالبات، وتقييم المادة العلمية، ومدى تحقيقها للأهداف التعليمية من عدمه.
كما ينبغي اعتبار الطلاب والطالبات شركاء في تطوير العملية التعليمية، من خلال الاجتماعات المباشرة معهم والاستماع إلى آرائهم واقتراحاتهم، لا الاكتفاء باستبيانات روتينية لا تفي بالغرض المأمول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى