المقالات

إلغاء السنة التحضيرية: خطوة نحو الكفاءة الاقتصادية والجودة التعليمية

شهد التعليم العالي في المملكة العربية السعودية على مدار العقدين الماضيين تطبيقاً واسعاً لنموذج “السنة التحضيرية” كجسر عبور بين التعليم العام والجامعي. و تعد السنة التحضيرية مرحلة تعليمية تسبق الالتحاق بالجامعات في العديد من دول العالم، وتُعتبر هذه السنة فرصة للطلبة لتأهيل أنفسهم للدراسة الجامعية. ومع ذلك، فإن هذه السنة تثير جدلًا كبيرًا حول أهميتها وفائدتها، حيث يرى بعض المختصين أنها ضرورية لتأهيل الطلبة، بينما يرى آخرون أنها تمثل هدرًا ماديًا ووقتيًا. ويبدو أن التوجه الأخير هو الأقرب للواقع فبعد ما يزيد عن عقدين من تطبيق الجامعات السعودية للسنة التحضيرية بادرت جامعة الملك سعود و أعلنت عن إلغاء السنة التحضيرية وقررت الاعتماد على القبول المباشر في برامج البكالوريوس ابتداءً من العام الجامعي 2026-2027. و هذا القرار يتيح للطلبة الالتحاق بتخصصاتهم منذ اليوم الأول دون المرور بمرحلة المسارات المشتركة.

ومع ذلك، ومع نضج التجربة التعليمية وبروز مستهدفات رؤية 2030 التي تركز على كفاءة الإنفاق ومواءمة المخرجات مع سوق العمل، أصبحت الدعوة لإلغاء هذه السنة ضرورة وطنية وأكاديمية، وهو ما تجسد مؤخراً في قرار جامعة الملك سعود بالتحول نحو القبول المباشر بدءاً من العام الجامعي القادم: 2026-2027. وهنا يبزغ أهمية إعادة النظر في أهمية إلغاء السنة التحضيرية في باقي الجامعات من عدة جوانب وفي مقالي هذا سوف أركز على عدة أمور تتعلق ب أهمية هذا القرار في هذه المرحلة تحديداً.
فمن ناحية فإن الإلغاء يهدف إلى تقليل الهدر المادي سواء على مستوى الطلبة أو المؤسسات التعليمية. فالسنة التحضيرية تتطلب من الطلبة إنفاق مبالغ كبيرة على الرسوم الدراسية والكتب والمواد التعليمية، وهذا يشكل عبئًا ماديًا على الأسر. و في السعودية لمحت مصادر أن الهدر المادي على السنة التحضيرية يقدر بحوالي 10 مليارات ريال سعودي سنويًا. لذا فإن إلغاء السنة التحضيرية يمكن أن يكون خطوة إيجابية نحو تحسين التعليم العالي وتقليل الهدر المادي، ويمكن استخدام الموارد المالية التي تُنفق على هذه السنة في دعم الطلبة الأكثر حاجة للدعم وتحسين جودة التعليم. كما يمكن استخدام الموارد المالية التي تُنفق على السنة التحضيرية في دعم الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة أو في توفير المنح الدراسية للطلبة المتميزين. أو حتى تعزيز البنية التحتية البحثية، مما سيخلق قيمة مضافة تتجاوز بكثير مجرد “تأهيل عام” للطلبة.

أما من حيث أنها تؤدي إلى تحسين جودة التعليم فيمكن استخدام الموارد المالية التي تُنفق على السنة التحضيرية لتحسين جودة التعليم في المدارس الثانوية، مما يساعد الطلبة على التأهل بشكل أفضل للدراسة الجامعية فتقليل الوقت أمر في غاية الأهمية فالسنة التحضيرية تزيد من مدة الدراسة الجامعية، مما يؤدي إلى تأخير دخول الطلبة سوق العمل، ويمكن استخدام هذا الوقت في الدراسة الجامعية أو في تطوير المهارات العملية. أما من حيث الجدوى الاقتصادية والأكاديمية لهذا التحول الاستراتيجي في التعليم العالي السعودي فإلغائها يؤدي كذلك إلى تسريع دخول الخريجين لسوق العمل و تقليل الهدر الزمني حيث تؤدي السنة التحضيرية إلى إطالة أمد الرحلة التعليمية، مما يؤخر ضخ الكفاءات الشابة في سوق العمل لمدة عام كامل. وفي عالم يتسم بالتغير السريع، يعد الزمن أصلاً اقتصادياً لا يستهان به. و إلغاء هذه السنة يتيح للطلبة التركيز المبكر على المقررات التخصصية. و تطوير مهارات عملية داخل المسار الأكاديمي منذ اليوم الأول. و تقليل الفجوة العمرية عند التخرج، مما يعزز التنافسية في سوق العمل.

كما أن الاعتماد على السنة التحضيرية كان في جوهره سابقاً حلًا مؤقتًا لردم فجوة مخرجات الثانوية العامة. والتوجه الحديث يرى أن الحل المستدام لا يكمن في إضافة سنة جامعية، بل في نقل هذه الموارد لتحسين جودة التعليم في المرحلة الثانوية. عندما يتم تأهيل الطالب بشكل مكثف في المدرسة، تنتفي الحاجة لعمادات السنة الأولى المشتركة، وتتحول الجامعات إلى دورها الحقيقي كمنارات للتخصص والبحث العلمي. وبالتالي فإن الأولى تجويد مخرجات التعليم العام.

ويبدو أن قرار الغاء السنة التحضيرية حيث كانت جزءًا من الخطة الدراسية وتحسب في المعدل التراكمي، وعمدت بعض الجامعات إلى تغيير مسماها إلى “عمادة السنة الأولى المشتركة” بهدف تطوير المقررات الدراسية وتحسين تجربة الطلبة. و هذا القرار يأتي ضمن جهود الجامعات لتحسين جودة التعليم وتسهيل عملية القبول، و من الأهداف الهامة بعيدة المدى أن على الجامعات أن تسعى إلى تعزيز التخصصات الأكاديمية وتوفير فرص أفضل للطلبة من حيث التدريب والـتأهيل.
كما أن هذا التحول لا يسهل عملية القبول فحسب، بل يمنح الطالب استقراراً نفسياً وأكاديمياً من خلال الارتباط بتخصصه منذ اليوم الأول لحياته الجامعية. و التوجه للإلغاء يهدف في الأساس إلى تطوير المقررات وتحويلها من مواد عامة إلى مواد تخصصية تخدم التجربة الطلابية بعمق.

وفي الختام سيكون إلغاء السنة التحضيرية مهماً ويخدم متطلبات المرحلة الحالية فهو ليس مجرد تقليص زمني، بل هو إعادة هيكلة شاملة لمنظومة التعليم العالي لتكون أكثر مرونة و أكثر جدوى اقتصادية. وإن استبدال هذا النموذج بالقبول المباشر سيسهم في رفع كفاءة الإنفاق الحكومي، وتقليل الأعباء المادية على الأسر، ورفع جودة المخرجات التعليمية بما يواكب الطموحات الوطنية في بناء اقتصاد معرفي مستدام ويستهدف انخراط الطلبة في تخصصاتهم الجامعية دون تسويف.

• جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

أ.د. أماني خلف الغامدي

جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى