المقالات

بوح واحد من الناس

جمعتني بصديقي فلان عشرةُ عمر، من الجيرة الحلوة، ومدرسة الطفولة، إلى رحاب مدرسة الحياة الواسعة. كم بكينا وضحكنا كطفلين معًا.

كنا عندما نسير نتناوب الظلال أيضًا معًا؛ مرة يسبقني، ومرة أسبقه، والظل هو الحكم بيننا.

كنت أتابع مسيرته وهو يعارك الحياة بعصامية، لم تقف أمامه عقبات الفقر ولا مصاعب الظروف، بل شق طريقه متسلحًا بالتوكل على الله، وما قاله أحمد شوقي:
«وما نيلُ المطالبِ بالتمني
ولكن تُؤخذُ الدنيا غلابا».

وبعد أن استراح من وعثاء المشاوير وعناء الكفاح، التقينا ذات يوم، فقلت له: بعد ما تركت العمل، وبعد ما تعاملت مع تفاصيل الحياة، أتمنى أن تخبرني ماذا خرجت به من ذلك المشوار، وبالتالي ما هي الفلسفة التي بلورتها وأصبحت من ضمن مفاهيمك وقناعاتك؟

رد صديقي فلان وقال:
سأتكلم، ولكن سأنطلق على سجيتي، والذي في قلبي يكون على لساني. لا تقعد لي على (الدقة والدقيقة). أبدأ من هنا، وأنتقل إلى موضوع آخر، وأرجع للأول، وأترجل من حكاية إلى أخرى، وإلى موضوع ليس له علاقة. أود منك أن تركز على إحساسي ومشاعري، وليس على المفردات، ولا (كفش) الأخطاء اللغوية، ولا التسلسل في الرواية.

أنا وأنت لنا أسرار وقصص، نسينا بعضها وتناسينا أكثرها.
العقل ينبذ ما يكره، والقلب يحتفظ رغم إرادتنا؛ فالعقل محكوم، والقلب حاكم.

واستمر فلان بالحديث وقال:
اسمع يا صديقي، لم أفقد أحدًا اهتم بي واهتممت به؛ لأننا تصادقنا على النقا لا المصالح، وعلى بساط أحمدي. إذا تكلمنا نعطي للحق والمستحق شأنه وقدره مهما آلمنا. فالصداقة تبدأ بالصدفة، وتتأصل بالقناعة، ويصير لها قوانينها الذاتية التي أوجدتها العادات والأعراف الطيبة التي يحكمها الضمير، لا قانون ولا حساب.

من يومي لم أبنِ حياتي على المناصب. نعم، تعاملت مع المنصب في العمل على القيام بكل ما يسهل أمور الناس، أحببتهم وأحبوني. قمت بخطأ، وهو تجاوز بعض التعليمات البالية المحنطة، ولم أندم على ذلك؛ فقد كان بملء إرادتي وحضور عقلي، ولكن كان ضميري وقلبي هما المسيطران.

العلاقات الأسرية والاجتماعية تبدأ دائمًا من الصفر، ولكن لا نعلم على أي رقم يطيب لها أن تستقر.
ومن الطبيعي، مع مسارات الحياة وظروفها، ومع الوقت، كلٌّ على همه سرّي.

حتى أبناؤك، ليس جفاءً منهم، ولكن لهم حياتهم ومشاغلهم وأعمالهم وأندادهم وصداقاتهم، وأيضًا يتزوجون، واهتماماتهم تتوزع بين العائلة القديمة والعائلة الجديدة. لهم حق وعليهم حق، ولكن لا تدقق.

لم أعتب يومًا على أحد، ولم أختلق أسبابًا للعتب مهما كان المبرر، وفي النهاية يبقى الود والوفاء كامنَين.

وفي كل الأحوال كنت أفصل حياتي الخاصة عن العمل؛ فالعمل حكاية ثانية تحتاج إلى سيناريوهات، بعضها تحكمه تنظيمات العمل، وأخرى تحكمها التجارب. ومن هذا المكون تُبنى نجاحات، ويحضر فشل وخسارات، ونعود دائمًا ونقول: هكذا هي الحياة.

وفي النهاية، فلسفتي في الحياة جملة:
لا شيء غريب، وهي تحوي كل المتناقضات مهما كانت، وإن لم نرضَ عنها. ولكن الهروب منها بادعاء الفضيلة الكاملة إسقاط على الحقيقة.

والحياة لا تشملني ولا تشملك فقط؛ الحياة بشر وأفعال، وأرض وسماء، وضحكات ودموع، وزمالات تبدأ من الطفولة، وتمر مرَّ السحاب إلى أيام الدراسة والجيران، ثم العمل.
مئات الوجوه تقابلها في الحياة.

وفي الختام، بطبيعة الأيام، يبقى معك من سمحت ظروف الحياة لهم ولك بالبقاء معًا.
تعرف، وأنا أعرف، أن هناك محبين لا تلتقي بهم بسبب مشاغل الحياة، والسبب ليس النكران.

أنام وأصحو مرتاح الضمير؛ فليس لأحد عندي شيء، وليس لي مطلب من أحد.
أسامح الجميع، ولا أبحث عمن تكلم أو أساء أو من مدح. يقول العرب: كله عند العرب صابون، وأقول: هي كدا، مهما كانت تداعي الخواطر والظنون.

من معرفتي ببعض الأمور وتجاوزي لها، تركتها في مهدها وكأني لم أعرفها؛ فالناس أسرار، ونحن أيضًا أسرار. نمد أيدينا بالعون لمن حتى تنكر وأساء، ونترك كل ذلك خلفنا.

صفحات الماضي، وخاصة غير المناسبة، الأفضل طيّها، ومع الزمن مزّقها، حتى لا نبقى ذكرى لمن قد يهمه الأمر.
وإلى الآن، إذا قابلت من لم يفِ، لا أُعلِمه بذلك، وأقول له سلامًا.

فالحياة لا تتحمل التفكير في بعض النقاط السوداء، فأهل القلوب البيضاء كُثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى