المقالاتعام

حين يأتي الرحيل بلا موعد

• الرحيل الذي نعرفه جميعًا ونتجاهله طويلًا
في زحمة الحياة، وبين سباق الإنجاز وتكدّس التفاصيل، ينسى الإنسان السؤال الأهم: إلى أين نمضي؟
نخطّط للمستقبل وكأنه مضمون، ونتعامل مع الأيام وكأنها لا تنفد، بينما الحقيقة الصامتة تقترب في كل لحظة… حقيقة أن مغادرة الدنيا ليست احتمالًا، بل موعدًا مؤكّدًا نجهل فقط توقيته.

مغادرةُ الدنيا هي أخطرُ حدثٍ ينتظر الإنسان، ومع ذلك فهو الحدثُ الوحيد الذي نؤجّل الاستعداد له. نعرف أنه قادم، لكننا لا نعرف متى، ولا كيف، ولا بأي حال نُقبِل عليه.

اعتدنا على الرحيل المؤقت؛ نسافر فنعود، نغيب ثم نرجع، نخرج فنأوي إلى بيوتنا مطمئنين. كل رحلات الدنيا تحمل وعد الرجوع، إلا رحلة واحدة… هي الرحلة التي لا عودة بعدها.

هذه الحقيقة ليست خطاب تشاؤم، بل ميزان وعي. عندها تتهاوى الألقاب، وتذوب الفوارق، ولا يبقى إلا ما قدّم الإنسان من عمل. ومع ذلك، يعيش كثيرون وكأن الرحيل شأنٌ بعيد، أو خبر يخص الآخرين فقط.

وحين يتأمل المرء معنى الفناء، يدرك أن قيمة الحياة ليست في طولها، بل في أثرها، ولا في كثرة ما يملك، بل في ما يتركه وراءه. فالعاقل من جعل أيامه زادًا للقاء الله، وأصلح قلبه قبل أن يُوارى جسده.

ومن رحمة الله بعباده أن علّمهم كيف يسألونه خير العيش وخير الختام، فقال النبي ﷺ:
«اللهم أحيِنا ما علمتَ أن الحياة خيرٌ لنا، وتوفَّنا إذا علمتَ أن الوفاة خيرٌ لنا».
فليس المطلوب طول العمر، بل بركته، وليس تأخير الأجل، بل حسن الاستعداد له.

ثم تسمو الروح حين تطلب ما لا يزول:
خشية الله في الغيب والشهادة،
وكلمة الحق في الرضا والغضب،
والقصد في الفقر والغنى،
ونعيمًا لا ينفد،
وقرّة عين لا تنقطع،
ولذّة النظر إلى وجهه الكريم.
لا نُطالَب بالخوف، بل بالاستعداد. ولا بترك الدنيا، بل بإعمارها بوعي. اسأل نفسك اليوم — لا غدًا — ماذا لو كان الرحيل أقرب مما تتصور؟ أيُّ أثر ستتركه؟ وأيُّ سيرة ستُقرأ عنك بعد الغياب؟

اجعل من حياتك جوابًا مطمئنًا عن هذا السؤال، وأكثر من العمل الصالح؛ فالرحلة الأخيرة لا تحمل حقائب، بل أعمالًا.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبة اجمعين .
د. رافت بن إسماعيل بدر البركاتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى