تعيش السعودية قمة نضوجها التاريخي؛ نضوج دولة استقرّ فيها الحكم، وانتظم فيها القرار، فأصبحت قادرة على إدارة محيطها بوصفها ميزانًا يُرجَع إليه حين تختلّ الموازين، لا طرفًا ينجرّ مع اضطرابها. هذا النضوج لم يتشكّل بالخطاب ولا بالشعارات، بل بالفعل؛ ميزان عدل أُقيم داخليًا أولًا، ثم امتد أثره خارجيًا، بحزمٍ يعرف حدّه، وبأخلاق تعرف متى تتقدّم ومتى تُغلق الطريق دون تردّد.
*الصدق* كان الأساس؛ صدق التعريف قبل صدق التصريح. الدولة عند السعودية دولة، والسيادة خطٌّ ثابت لا يُعاد رسمه، والأمن أصل لا يخضع للتجريب. بهذا الصدق ثبّتت المملكة مواقفها في اليمن والسودان، ورفضت تبديل المعنى تحت ضغط الوقائع أو إغراء الحلول السريعة. صدقٌ كلّفها سياسيًا وعسكريًا، لكنه منحها وضوحًا يصنع الهيبة قبل أن يطلبها.
*الوفاء* ظهر حين اختارت الطريق الأثقل. في اليمن، ومع تصاعد تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا أواخر عام 2025 وامتدادها إلى حضرموت والمهرة قرب الحدود السعودية، لم تُعامل الرياض المشهد كخلاف محلي عابر، بل كمساس مباشر بمعنى الدولة. طالبت بالانسحاب بوضوح، واستخدمت القوة الجوية بحزمٍ محدود ومباشر، ثم دعمت عودة الدولة عبر هجوم حكومي أعاد السيطرة وأنهى المشروع الانفصالي، قبل أن تدعو إلى مسار سياسي جامع في الرياض. وفاء للدولة اليمنية لا للفصائل، وإنهاء للفوضى بدل إدارتها.
*الأمانة* تجسّدت في رفض تحويل النزاعات إلى أدوات نفوذ. في السودان، حيث اختارت قوى إقليمية دعم الانقسام وتسليح المليشيا، بقي الموقف السعودي ثابتًا: وحدة السودان، سيادته، ورفض أي كيان موازٍ مهما تلون. دعمٌ محسوب للدولة الشرعية عبر آليات إقليمية ودولية، وسعي لوقف النار، وإصرار على أن الحرب لا تُدار كاستثمار طويل الأجل. الأمانة هنا حماية للأصل حين يُغري الالتفاف.
*مداراة الناس* كانت إدارة دقيقة لإيقاع الصراع. مع الإمارات، ورغم التوترات المتراكمة في اليمن والسودان والبحر الأحمر، لم تنجرّ السعودية إلى صدام إعلامي، ولم تُغلق الباب سياسيًا، ولم تتراجع ميدانيًا. عرفت متى تضبط الخطاب، ومتى تحسم بالفعل، ومتى تُغلق الملف دون استعراض. مداراة لا تعني تراجعًا، بل سيطرة على زمن المواجهة وشكلها.
*المكافأة بالصنائع* ظهرت في ملف الطاقة، حين حاولت دول كبرى الضغط على السعودية لتسليح النفط سياسيًا خلال أزمة أوكرانيا. اختارت المملكة توازن السوق عبر OPEC+، وقدّمت استقرار النظام الاقتصادي على إرضاء اللحظة. لم تُكسر الثقة، ولم يُفجَّر السوق، لأن من يريد قيادة العالم اقتصاديًا لا يبدأ بتقويضه.
*إكرام الضيف* تحوّل إلى قاعدة سيادية واضحة. الاستثمار مرحّب به من الصين وأوروبا والولايات المتحدة، لكن عبر الدولة ومؤسساتها، لا عبر الموانئ كغنائم، ولا عبر الفراغات كمسارات نفوذ. الشراكة عند السعودية عقد سيادي لا صفقة ظرفية.
*حسن الجوار* فُهم بوصفه مصيرًا لا مجاملة. تقسيم اليمن أو السودان—كما أثبتت ليبيا وسوريا—لا يصنع أمنًا، بل صراعات أطول عمرًا وأعلى كلفة. لذلك كان التمسك بالدولة الواحدة خيارًا استراتيجيًا يقلّل الخسائر الإقليمية، حتى حين يبدو أثقل في لحظته.
*إغاثة الملهوف* سلكت مسارًا ثابتًا لا موسميًا. عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، ومن غزة إلى السودان، ومن أفغانستان إلى اليمن، جاء الدعم الإنساني مرتبطًا بمنع الكارثة قبل التعايش معها، وبحفظ كرامة الإنسان لا تدوير ألمه. هنا يظهر الفرق بين دولة تُثبّت الاستقرار، وأخرى تتغذّى على الفوضى.
*إجارة المستجير* تعني حماية القرار الوطني لا مصادرته. السعودية دعمت الدول لتبقى دولًا، حتى حين اختلفت معها، لأن سقوط الدولة لا يصنع بديلًا صالحًا، بل فراغًا تتنافس عليه البنادق.
*الإقدام* كان عنوان المرحلة. المساحات الرمادية أُغلقت، والتعريف صار نهائيًا: صفر تسامح مع أي مساس بالسيادة، أو الأمن، أو استقرار الجوار. هذا حزم دولة بلغت يقينها، تمارس القوة كقانون ثابت لا يُختبر، وتفرضه حين يلزم دون تردّد.
بهذا النهج عرفت السعودية مسطرة التعامل بالدين ومكارم الأخلاق؛ فكان الدين ميزان عدل لا أداة تعبئة، وكانت الأخلاق ممارسة سيادية لا خطابًا تجميليًا. بهذا النهج سادت، وهابت، وعلا صيتها؛ لأن الهيبة لا تُبنى بالضجيج، بل بوضوح الحدّ، وحزم القرار، واستقامة الفعل.
وهكذا تُكتب الدول في التاريخ: بما منعت سقوطه حين امتلكت القدرة على العكس. السعودية العظمى في مكارم الأخلاق…






