المقالات

في جعبتي حماية للوعي ليس لسُلطة الرأي

الحديث عن المدينة الفاضلة تعبيرٌ عن توقٍ قديم يسكن الوعي الإنساني، لا عن مكانٍ قابل للتعيين.
نزعة متكررة لتخيّل عالمٍ أنقى مما نحن عليه، ونظامٍ أعدل مما نقدر على احتماله. ولهذا لم تكن المدينة الفاضلة يومًا مشروعًا قابلًا للبناء، بقدر ما كانت مرآةً أخلاقية تعكس ما نرغب أن نكونه لا ما نحن عليه فعلًا. لم يخطئ الفلاسفة حين حلموا، لكن الخطأ كان في افتراض أن الحلم يمكن أن يعيش خارج العقل. فالمدينة التي تُبنى على افتراض إنسانٍ عاقل دائمًا، عادل بطبعه، متحرر من أهوائه، هي مدينة تشترط غياب الإنسان لكي تقوم. وكلما اقتربنا من تفاصيلها، ازداد التناقض وضوحًا: كيف يُفترض انتظام السلوك حيث يوجد بشر؟ وكيف يُتصوَّر انتفاء الانحراف حيث توجد قدرة وتأثير؟ الإنسان كائن مركّب. قادر على الخير بقدر ما هو قابل للانحراف، ولا يُؤمَن عليه حين يُفترض فيه الاتساق الدائم، أو تُمنح له الثقة المطلقة باسم الفضيلة أو الحكمة أو النية الحسنة. ومن هنا تتكشف المفارقة الكبرى: أن البناء الذي لا يحتمل الخطأ، هو أول ما ينهار عند أول اختبار. ومن أكثر الأوهام التصاقًا بفكرة المدينة الفاضلة، الاعتقاد بأن القيم يمكن تجزئتها بحسب الظرف، وأن الخير قد يُستدعى مؤقتًا، ويُعلَّق حين تعيق نتائجه الوصول إلى الغاية. بينما الحقيقة أبسط وأكثر حدة: الخير لا يتجزأ، كما أن الشر لا ينحاز. فما كان في أصله خيرًا، قد يُساء تطبيقه، لكنه لا ينقلب شرًا. وما كان في أصله شرًا، لا يُنقذه الخطاب، ولا تُصلحه النوايا، ولا تُعيد تشكيله الذرائع. هنا تحديدًا تفشل المدن المتخيَّلة؛ حين يُسمح للشر أن يتقدّم بملامح الخير، ويُطلب من القيم أن تتنازل مؤقتًا ريثما تستقيم الأمور . فالمدينة التي تبدأ بتبرير الاستثناء، تنتهي بجعله قاعدة، وتفقد قدرتها على التمييز بين ما ينبغي إصلاحه، وما يجب رفضه من الأصل. ولهذا لا تنهار الأفكار الكبرى عند أول خطأ، بل عند أول تبرير. فكل بناءٍ يُعلّق قيمه بحجة الضرورة، إنما يُفرغها من معناها، ويحوّل المثال من بوصلة أخلاقية إلى أداة انتقائية. والتصورات التي تُبنى على حسن الظن المطلق، لا تصمد طويلًا أمام الواقع. لقد راهن التفكير الفلسفي طويلًا على النموذج الأمثل: الإنسان الأكمل، العقل الأصفى، المثال الأعلى. لكنه أغفل سؤالًا أكثر جوهرية: من الذي يضمن بقاء هذا المثال؟ ومن يراجعه حين يتحول من أداة للتفكير إلى معيار جامد؟ التجربة الإنسانية تقول شيئًا مختلفًا: أن الاستقامة لا تُصان بالافتراضات، بل بالاتزان. وأن الفكرة لا تُقاس بجمالها، بل بقدرتها على التكيّف مع النقص الإنساني دون أن تنهار. ولهذا لم يكن الاختلاف عيبًا في التجارب البشرية، بل شرطًا من شروط حيويتها.
تستقيم الحياة حين يُفسَح للاختلاف، ويُمنَع أي تصور من احتكار الصواب أو ادّعاء الاكتمال.
المدينة الممكنة ليست فاضلة، لكنها قابلة للمراجعة. ليست مثالية، لكنها واعية بحدودها. أما المدينة الفاضلة، فقد بقيت وستبقى فكرة ضرورية للتفكير، خطِرة حين تُعامل كحقيقة نهائية. نحتاجها كي نختبر وعينا، لا كي نعلّق عليها الواقع. فالإشكال الأعمق لا يكمن في استحالة تحقق المثال، بل في يقيننا الزائف تجاهه. حين نرفعه إلى مرتبة المعرفة المكتملة، يفقد وظيفته التأملية، ويتحول إلى سلطة صامتة تُقاس بها التجربة بدل أن تُراجع على ضوئها. وهكذا تنتهي الحكاية كما ينبغي لها أن تنتهي: لا بخيبة، بل بنضج. فبعض ما يُلهمنا يصلح للفهم أكثر مما يصلح للبناء.

عواطف محمد الشليح

مستشارة في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المشاريع والحوكمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى