عام

الفجوة بين الجودة والقيمة في الرعاية الصحية

في خضم السعي لتحسين الخدمات الصحية، يجري تداول مصطلحي الجودة والقيمة وكأنهما وجهان لعملة واحدة. غير أن النظرة المتفحصة تكشف فرقًا جوهريًا بينهما يتجاوز حدود اللغة إلى صلب التجربة الصحية نفسها. فكثيرًا ما تتحقق الجودة بمفهومها المؤسسي، لكن دون أن يشعر المريض بقيمة حقيقية مما تلقاه من رعاية. إذًا، أين يكمن الاختلاف العميق بين الجودة كإطار إداري والقيمة كأثر مستدام للمريض؟ الجودة في السياق الصحي هي منهج إداري يُعنى بالامتثال والضبط ضمن المنشآت الصحية. إنها سلسلة معايير وإجراءات تهدف إلى ضمان أن ما يحدث داخل المستشفى يسير وفق أفضل الممارسات المعترف بها. تسعى المستشفيات إلى نيل شهادات واعتمادات جودة تُعد دليلًا حيًا على التزامها بالمعايير العالمية. فالحصول على اعتماد جودة يعني أن المؤسسة الصحية تطبّق بروتوكولات السلامة والرعاية الفعّالة وقياس الأداء بأسلوب منضبط. هذا التركيز الداخلي يجعل طواقم العمل أحيانًا منشغلة بإتمام قوائم التحقق وتعبئة الخانات لضمان الامتثال الحرفي للمعايير. وهكذا تصبح الجودة ممارسة رقابية فيها قدر كبير من مراقبة العمليات والسيطرة على تفاصيل الخدمة الصحية لضمان خلوها من الأخطاء والانحرافات. في المقابل، تتمحور القيمة حول ما يحدث خارج أسوار المستشفى؛ أي في حياة المريض بعد تلقّي الخدمة. القيمة هي الأثر الصحي والمعنوي الذي يبقى مع المريض حين يغادر غرفة العلاج. يعرّف الخبراء قيمة الرعاية الصحية بأنها التحسّن الفعلي في صحة المريض مقابل التكلفة المدفوعة لتحقيقه، وهو تعريف يسلّط الضوء على المخرجات لا المدخلات فحسب. بيد أن القيمة تتجاوز الأرقام لتشمل أمورًا غير ملموسة لكنها محسوسة بقوة. فهي تتجسد في وضوح القرار الطبي للمريض، وفي طمأنينته وشعوره بأنه مفهوم ومعتنى به، وفي استمرارية الرعاية وعدم انقطاعها، وفي تقليص حالة اللايقين والخوف بشأن مستقبله الصحي. بمعنى آخر، القيمة هي مجموعة تجارب ومعطيات يشعر بها المريض وتعكس جودة حياته بعد الخدمة، وليس مجرد إجراءات قُدمت له خلالها. ولا تنفصل هذه القيمة عن التكلفة والفاعلية. فالقيمة الحقيقية لا تعني أثرًا أفضل فحسب، بل أثرًا يتحقق بكفاءة أعلى وهدر أقل. كل إجراء غير ضروري، وكل فحص متكرر بسبب غياب الوضوح، وكل مراجعة ناتجة عن سوء تواصل أو انقطاع متابعة، تمثل تكلفة إضافية لا تضيف قيمة للمريض ولا للنظام. وحين تُقدَّم الرعاية بوضوح كافٍ، وتنظيم متصل، تقل العودة غير الضرورية، وتتحسن الالتزام بالخطة العلاجية، وتنخفض المضاعفات، وتُستثمر الموارد فيما يحقق أثرًا صحيًا أكبر. عندها، تصبح الكفاءة نتيجة طبيعية للقيمة، لا هدفًا ماليًا منفصلًا عنها. لكن هل يمكن تحقيق الجودة دون إنتاج قيمة؟ للأسف نعم؛ فكثيرًا ما نرى منشآت صحية تحصد أعلى شهادات الجودة وتلتزم بالمعايير حرفيًا، ثمّ يتسلل شعور بعدم الرضا أو غياب الأثر لدى مرضاها. فقد ينجح المستشفى في قياس كل شيء وتسجيل كل مؤشر مطلوب، بينما لا يلمس المريض تحسنًا موازيًا في فهمه لحالته أو في جودة حياته. وتُظهر التجربة أن بعض المنشآت، رغم اعتمادها الرسمي، لا تقدّم بالضرورة تجربة أفضل للمرضى، خصوصًا في جوانب التواصل والاستجابة والوضوح. هذا الخلل يبيّن كيف يمكن للجودة أن تتحقق رقميًا من الداخل، بينما تغيب القيمة بمعناها الإنساني والعملي عن الخارج. ويتجلى الفارق عند نقطة التماس بين المريض والمنظومة الصحية بوضوح. فداخل المستشفى تُقاس النجاحات بعدد المؤشرات المحققة، أما خارجها فيُقاس النجاح بقدرة المريض على الفهم، وباطمئنانه، وبما إذا كانت الرعاية قد حسّنت حياته فعلًا دون أن تثقل كاهله بتجربة مربكة أو مكلفة نفسيًا وماديًا. قد يفتخر فريق الرعاية بأن الإجراءات نُفذت وفق الدليل الإرشادي، بينما يخرج المريض تائهًا بلا خطة واضحة. وفي المقابل، قد تُنتج منشأة أخرى قيمة حقيقية حين تُحسن الشرح، وتضمن المتابعة، وتُعامل المريض كإنسان لا كحالة، فتقل التكلفة ويتعزز الأثر معًا. إن الجودة والإدارة الرشيدة للمرافق الصحية تظل ضرورة لا غنى عنها لضمان الأمان والكفاءة. لكنها لا تكفي وحدها لصنع فرق حقيقي ما لم تُستخدم كوسيلة لإنتاج قيمة يشعر بها المريض، وتنعكس في الوقت نفسه على فاعلية النظام واستدامته. حين يبدأ التفكير من سؤال القيمة ما الذي سيبقى مع المريض بعد انتهاء الخدمة، وبأي كلفة تتقاطع الإنسانية مع الكفاءة، ويصبح تحقيق الجودة نتيجة طبيعية لمسار أكثر نضجًا. عندها فقط، يمكن بناء نظام صحي يضبط الداخل، ويُحسن الخارج، ويحقق الجودة ويُنتج القيمة معًا.
لكل مسؤول ماهي القيمة التي قدمتها للمستفيد. ؟؟.

عواطف محمد الشليح

مستشارة في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المشاريع والحوكمة

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. كعادتك استاذة عواطف ..قلم مبدع وفكر مضيئ ورؤية ثاقبة وتحليل عميق ..لامستي باحتراف واقتدار الفجوة الحقيقية بين ما تحققه الانظمة الصحية وبين مايؤمله ويلمسه المستفيد
    تحياتي وتقديري لعطاؤك وابداعك وفكرك المتميز وبانتظار جديدك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى