المقالات

من الدرعية الى الرياض لقب يتغّير و وطن يتجدّد

حين نقرأ تاريخ الدولة السعودية في مرحلتيها الأولى والثانية، يظهر لنا لقب “الإمام” بوصفه اللقب الرسمي للحاكم، وهو اختيار لم يكن عابرًا أو شكليًا، بل معبّرًا عن طبيعة الدولة ووظيفتها في سياقها الاجتماعي والسياسي. فالإمامة في الوعي الإسلامي التقليدي تعني قيادة الناس في الدين والدنيا معًا، أي الجمع بين السلطة السياسية والمرجعية الدينية، وهو ما انسجم مع ظروف نشأة الدولة في وسط الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر.

فمع قيام الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود في الدرعية عام 1744م، وتشكّل التحالف الإصلاحي الذي منحها شرعيتها الدينية والسياسية، برز نموذج حكم يتجاوز الإطار القبلي المتفرق إلى كيان أكثر مركزية وتنظيمًا. في عهده وُضعت اللبنات الأولى للدولة، وتم توحيد أجزاء واسعة من نجد تحت سلطة واحدة، فكانت تلك لحظة انتقال من حالة التشتت إلى مشروع سياسي واضح المعالم.

ثم جاء عهد الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود ليشهد مرحلة التمكين، حيث استُكمل توحيد نجد، وامتد النفوذ شرقًا نحو الأحساء، وتعزز الاستقرار الداخلي، بما أتاح للدولة أن تتحول من كيان ناشئ إلى قوة إقليمية فاعلة. وبلغت الدولة ذروة اتساعها في عهد الإمام سعود بن عبد العزيز آل سعود ، حين دخلت مكة المكرمة عام 1803م ثم المدينة المنورة عام 1804م، فأصبحت للمرة الأولى منذ قرون سلطة ناشئة من قلب الجزيرة تتولى الإشراف على الحرمين الشريفين. كان ذلك حدثًا مفصليًا حمل دلالات سياسية ودينية عميقة، لكنه في الوقت ذاته أدخل الدولة في مواجهة مباشرة مع الدولة العثمانية، انتهت بحملة إبراهيم باشا وسقوط الدرعية عام 1818م في عهد الإمام عبد الله بن سعود آل سعود

غير أن سقوط العاصمة لم يكن سقوطًا للفكرة؛ إذ ظل المشروع السياسي قابلًا للبعث من جديد. وهذا ما تحقق حين أعاد الإمام تركي بن عبد الله آل سعود تأسيس الدولة من الرياض عام 1824م، لتبدأ الدولة السعودية الثانية مرحلة مختلفة من النضج السياسي. ففي عهد الإمام فيصل بن تركي آل سعود استعادت الدولة قوتها في نجد، وامتد نفوذها إلى الأحساء وأجزاء من شرق الجزيرة، مع قدر من الواقعية في التعامل مع العثمانيين، بما يعكس تطورًا في أدوات الحكم وفهم موازين القوى الإقليمية. غير أن الصراعات الداخلية لاحقًا أضعفت الدولة، حتى سقطت عام 1891م، لتدخل الجزيرة مرحلة فراغ سياسي جديد.

يبقى السؤال: لماذا تغيّر اللقب في الدولة الثالثة إلى “ملك”؟ حين استعاد عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الرياض عام 1902م، كان العالم قد تغيّر جذريًا؛ فالدولة العثمانية في طريقها إلى الأفول، والنظام الدولي الحديث يتشكل على أساس الدولة القومية ذات السيادة المعترف بها. ومع إعلان المملكة العربية السعودية عام 1932م، جاء اختيار لقب “الملك” تعبيرًا عن هذا التحول؛ لم يعد الكيان إمامة إقليمية في سياق تقليدي، بل دولة حديثة ذات مؤسسات، تتعامل مع المجتمع الدولي وفق أعرافه السياسية والقانونية.

وهكذا، فإن انتقال اللقب من “الإمام” إلى “الملك” لم يكن تبدلًا لغويًا بقدر ما كان انعكاسًا لتحول تاريخي عميق في مفهوم الدولة وبنيتها ووظيفتها. فالإمامة عبّرت عن مرحلة التأسيس والقيادة الدينية السياسية في مجتمع قبلي يسعى إلى الوحدة، بينما الملكية جسّدت اكتمال مشروع الدولة الحديثة، بما يحمله من سيادة معترف بها ونظام مؤسسي مستقر. وبين اللقبين تمتد قصة تشكّل كيان سياسي استطاع أن يتجدد عبر السقوط والنهوض، وأن يقرأ تحولات زمانه ليعيد تعريف نفسه دون أن يفقد جذوره.

ولعل ما نشهده اليوم من عناية خاصة بالدرعية، مهدِ الإمامة، ليس التفاتًا إلى أطلال الماضي، بل عودةٌ واعية إلى لحظة الميلاد الأولى؛ إلى المكان الذي تشكّل فيه الاسم والمعنى، وتبلور فيه مشروع الدولة. فالدرعية لم تكن مجرد عاصمة، بل كانت الفكرة التي أثبتت أن الوحدة ممكنة، وأن الدولة يمكن أن تنشأ من قلب نجد. والاهتمام بها اليوم تأكيدٌ أن الدول الراسخة لا تنفصل عن جذورها، بل تستمد منها ثقتها وهي تمضي إلى المستقبل.

أ.د فتحية بنت حسين عقاب

جامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى