
تمر هذه الأيام الذكرى الثالثة لوفاة الشاعر عطيه السوطاني –رحمه الله–، الذي يعتبر واحداً من الأسماء التي كتبت النجاح لنفسها في مجال العرضة الجنوبية، وقد ترك أثراً عميقاً في تاريخ الموروث حتى أصبح جزءاً لا يتجزأ من هويته، ويستعاد اسمه كنموذج لشاعر صنع شعبيته من خلال حضوره القوي وجرأته في المحاورات، متغلباً على التكتلات التي واجهته ومبتعداً عن ثنائيات بعض الشعراء، كما رفض المبالغة في المدح والثناء في الحفلات، مما جعله يبرز كشاعر مستقل فرض اسمه ومكانته بثقة وجدارة، وترك بصمة حماسية في مسيرة العرضة.
ولم يكن «السوطاني» مجرد شاعر يعتلي منصات الحفلات، بل حالة حماسية متكاملة تشعل الميدان في نفوس الحاضرين، بصوت جهوري ونبرة صادقة، وقدرة لافتة على تحريك الصفوف ورفع مستوى التفاعل، ما جعله اسماً مطلوباً في الحفلات الكبرى التي تبحث عن شاعر يجيد إشعال الحماس وإدارة الميدان بثقة.
شاعر جماهيري لا الزخرفة:
وتميز «السوطاني» بقوة الإلقاء وجرأة المحاورات، معتمداً على قصيدة مباشرة وإيقاع سريع بعيداً عن المبالغة بالمدح والزخرفة اللفظية، وهو ما أكسبه مكانة خاصة لدى جمهور العرضة، حتى عرف بلقب «الشاعر الحماسي»، وامتلك شعبية جماهيرية لافتة، حيث كان الجمهور يحرص على حضور أي حفلة يشارك فيها، لما يمثله من قيمة شعرية وحضور حماسي، كما أسهم بشكل واضح في تعزيز شعبية العرضة الجنوبية وتجديد حضورها، بينما لقبه محبوه بـ«شاعر تهامة» لدفاعه الدائم عن منطقته، وأهلها شعراً وموقفاً.
أسلوب شعري متفرد:
وامتلك «السوطاني» أدوات شعرية مميزة، أبرزها تمكنه من فن الشقر (الجناس)، وقدرته على ارتجال الصور الشعرية الدقيقة دون تكلف، مع تنوع واضح في مضامين قصائده، ما جعل أبياته سهلة الترديد وسريعة الانتشار في الصفوف.
أخلاق الشاعر وموقفه من الأضواء:
ولم يكن «السوطاني» شاعر ضجيج واستعراضاً، بل شاعر أثر، يصل بقصائده إلى الجمهور بمختلف أعمارهم، دون أن يطارد الأضواء الإعلامية، مكتفياً بمكانه الطبيعي في الميدان، كما لم يؤمن بثنائيات الشعراء أو التكتلات، وكان يلبي الدعوات دون مفاضلة أو سعي لمكسب مادي، محافظاً على التزامه بالمواعيد والعرابين المالية، وهو ما أكسبه احترام الوسط الشعري والجمهور على حد سواء.
مسيرة تشكلت من المعاناة:
وبدأ «السوطاني» مشواره الشعري في سن مبكرة، متأثراً بظروف إنسانية قاسية أسهمت في تكوين شخصيته، وانعكست على أبيات شعره، وقد نشأ في بيئة تهامية بقرية حنذية، ودخل ميدان الشعر من بوابة العرضة الجنوبية، مستنداً إلى دعم قبيلته وتشجيع عدد من مشايخ وأعيان المنطقة.
وتشكل وعيه الشعري في بيت شعر، حيث تعلم الشعر على يد والده الشاعر صالح جبران السوطاني -رحمه الله–، قبل أن يتوقف فترة حزناً على رحيل والده، ثم يعود مجدداً إلى الميدان والمشاركة في الحفلات، وانتقل لاحقاً إلى منطقة الباحة للعمل، ثم استقر في جدة عام 1416هـ موظفاً حكومياً، قبل أن يترك الوظيفة لظروفه الخاصة، مواصلاً مسيرته في شعر العرضة.
صمود في وجه التحديات:
ورغم ما واجهه «السوطاني» من محاولات إقصاء ومحاورات صعبة هدفت إلى كسر حضوره والتقليل من شعبيته الطاغية، شق طريقه بثبات وفرض نفسه في الميدان، وعرف بعدم التراجع في المواجهات الشعرية، وبالوقوف الصلب على المنصة، مؤمناً بأن الإمكانيات الشعرية القوية التي يمتلكها كفيلة بحمايته، حتى نال ثقة الجمهور واحترامه.
قصة الرحيل… بين المرض واليقين:
وقد عانى «السوطاني» من داء السكري، وتعرض لجلطتين في القلب، نقل على إثرهما إلى مستشفى حكومي بالعاصمة المقدسة، قبل تحويله إلى مستشفى آخر في مدينة جدة لمتابعة حالته، وبعد خروجه لاحظ المقربون تغيراً لافتاً في حديثه، حيث أصبح يستحضر الموت كثيراً، ويتحدث عن قرب رحيله، كما كان يوزع بعض أغراضه الشخصية طالباً الاحتفاظ بها كذكرى بعد وفاته، متمنياً أن يدفن في قريته بمحافظة قلوة بجوار أسرته.
وفي صباح يوم الجمعة، شعر بتعب شديد وضعف في النظر، واتصل بأحد أصدقائه طالباً نقله إلى المستشفى لكن القدر كان أسرع، حيث عثر عليه متوفياً داخل إحدى غرف منزله بمخطط ولي العهد، وقد حضرت الفرق والاسعافية لمعاينته وأعلنت وفاته رسمياً، وصلي عليه بعد صلاة العصر في المسجد الحرام، ودفن في مقبرة الشهداء بحي الشرائع.
الوداع بالشعر:
وحتى في أيامه الأخيرة، لم يفارق الشعر حياة «السوطاني»، إذ خرج مؤقتاً من المستشفى برفقة محبيه إلى إحدى الحدائق المجاورة، ونظم أبيات عرضة وبدع ورد على نفسه في مشهد مؤثر وثقته الجوالات، وكانت تلك الأبيات آخر ما قاله شعراً.
إرث لا يغيب:
وبعد ثلاث سنوات من رحيله، لا يزال اسم «السوطاني» حاضراً في المجالس والصفوف، شاهداً على أن الشاعر الحقيقي لا يموت بغيابه الجسدي، بل يخلده أثره وقصيدته، وفي ذكرى رحيله الثالثة خلال هذه الأيام يستعيد محبوه سيرته مترحمين عليه، وموقنين بأن إرثه الحماسي سيبقى جزءاً أصيلاً من ذاكرة العرضة الجنوبية.







