المحليةتحقيقات وتقارير

السعودية والإمارات: من دعم التأسيس إلى شراكة الاستقرار في الخليج

يُظهر المسار التاريخي للعلاقة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة أن موقف الرياض لم يكن موقف جار عابر، بل موقف دولة مركزية في معادلة الخليج، تعاملت مع قيام الإمارات بوصفه مشروع استقرار إقليمي لا مجرد حدث سياسي محلي. فمنذ لحظة انسحاب بريطانيا من الخليج في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، برز الدور السعودي كضامن للتوازن ومنع الفراغ السياسي الذي كان يمكن أن يفتح الباب أمام صراعات نفوذ دولية وإقليمية.

تشير الدراسات التاريخية إلى أن المملكة دعمت قيام الاتحاد الإماراتي سياسيًا ودبلوماسيًا، وساهمت في تثبيت شرعيته الإقليمية، انطلاقًا من رؤية استراتيجية تعتبر أن أمن الإمارات جزء لا يتجزأ من أمن الجزيرة العربية والخليج. هذا الموقف لم يكن نابعًا من اعتبارات عاطفية أو آنية، بل من إدراك عميق لطبيعة التحولات التي صاحبت نهاية الإمبراطورية البريطانية في المنطقة.

ويبيّن الباحث البريطاني تانكرد برادشو في كتابه
‏The End of Empire in the Gulf: From Trucial States to United Arab Emirates
أن مرحلة ما بعد الانسحاب البريطاني كانت محفوفة بالمخاطر، وأن نجاح دولة الإمارات في التحول من “الإمارات المتصالحة” إلى دولة اتحادية مستقلة ارتبط بدعم إقليمي مباشر، وفي مقدّمته الدعم السعودي الذي وفّر مظلة سياسية عربية حالت دون انزلاق التجربة الوليدة إلى صراعات داخلية أو تنافس خارجي.

سياسيًا، اتسم الموقف السعودي تجاه الإمارات بثلاث سمات رئيسة:
1. الدعم السيادي: أي الاعتراف المبكر بالدولة الاتحادية، واحترام استقلالها ووحدتها، ورفض أي مشاريع تقسيم أو وصاية.
2. الشراكة الأمنية: من خلال التنسيق الدفاعي ومواجهة التهديدات المشتركة، سواء خلال الحرب الباردة أو في مراحل لاحقة مع تصاعد التهديدات الإقليمية.
3. التكامل الخليجي: عبر تأسيس مجلس التعاون الخليجي لاحقًا، كإطار مؤسسي يضمن عدم عودة الخليج إلى منطق المشيخات المتفرقة أو الحماية الأجنبية.

ويؤكد هذا المسار أن المملكة لم تنظر إلى الإمارات بوصفها ساحة نفوذ، بل بوصفها دولة شريكة في صناعة الاستقرار. وهو ما يفسّر حرص الرياض الدائم على حل أي خلافات بالوسائل الدبلوماسية، وتشجيع الحوار، وترسيخ مفهوم الأمن الجماعي الخليجي بدل الصدام.

اقتصاديًا وتنمويًا، تطورت العلاقة من الدعم السياسي إلى شراكة استراتيجية شملت الطاقة، والاستثمار، والبنية التحتية، ما عزّز فكرة أن قيام الإمارات لم يكن نهاية مرحلة استعمارية فقط، بل بداية نموذج تنموي خليجي جديد قائم على الدولة الوطنية والمؤسسات الحديثة.

وفي البعد الجيوسياسي، يمكن القول إن السعودية أدّت دور “الدولة المُوازِنة” في الخليج، أي الدولة التي تمنع اختلال ميزان القوى بعد خروج القوة الاستعمارية، وتحول دون استفراد أي قوة إقليمية أو دولية بالفراغ الاستراتيجي. وهذا ما يجعل العلاقة السعودية الإماراتية جزءًا من هندسة أمن الخليج، لا مجرد علاقة ثنائية.

ويخلص هذا التحليل إلى أن مواقف المملكة تجاه الإمارات لم تكن مواقف ظرفية، بل سياسة ممتدة تقوم على:
• دعم قيام الدولة الاتحادية.
• حماية استقرارها.
• إدماجها في مشروع خليجي جماعي.
• تحصينها من مشاريع التفكيك أو التوظيف الخارجي.

إن فهم هذه العلاقة في سياقها التاريخي والسياسي يكشف أن السعودية لم تكن شاهدًا على ولادة الإمارات، بل شريكًا في تثبيت وجودها، وأن ما يجمع البلدين ليس فقط الجغرافيا، بل رؤية مشتركة لأمن الخليج وهويته السياسية بعد نهاية عصر الإمبراطوريات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى