المقالات

تقدير مكانة الشيخ .. قيمة تعلي شأن افراد القبيلة

*في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتتداخل فيه الثقافات، تبقى بعض القيم الأصيلة ثابتة لا تهزّها الحداثة، بل تزيدها رسوخًا. ومن أعظم هذه القيم في المجتمعات القبلية هي تقدير مكانة شيخ القبيلة، فهو رمز القيادة، وواجهة القبيلة، وصوتها الذي يُعبّر عنها أمام المجتمع والدولة.
إن احترام الشيخ ليس مجرد موروث اجتماعي، بل هو انعكاس لوعي القبيلة بذاتها، وحرصها على صورتها وهيبتها، حيث تُقاس قوة القبيلة بتماسكها، ويُضرب بها المثل حين تتجلى فيها قيم الانضباط والاحترام.

وتتجلّى أجمل صور هذا الوعي حين يقف أفراد القبيلة صفًا واحدًا خلف شيخهم، يقدّرون رأيه، ويثقون بتوجهاته، ويُدركون أن قوة القبيلة تبدأ من احترام رمزها الأول. فحين يتقدّم الشيخ، يتقدّمون خلفه، وحين يحضر مناسبة يكونون سندًا له، يُظهرون من حسن التنظيم ما يعكس رقيّهم ووعيهم، ويجسّدون أسمى معاني التقدير.

ومما يبعث على الفخر أن كثيرًا من القبائل ما زالت تُجسّد أروع صور المواطنة الصالحة بالانضباط القبلي في تعاملها مع شيخها. تراهم يحرصون على أن يكونوا خلفه في الدخول والخروج والجلوس، ويُقدّمون ضيوفه قبل أنفسهم، ويُظهرون من حسن الأدب ما يعكس عمق أصالتهم.
هذه التفاصيل الراقية تُشكّل لوحة اجتماعية مبهرة، يتناقلها الناس بإعجاب، وتُعطي صورة مشرّفة عن القبيلة وتماسكها، وتُبرز مكانة الشيخ في نفوس أبنائه، وتُجسّد عمق العلاقة بين القيادة والقبيلة.

ولا شك أن سمعة القبيلة هي رأس مالها الاجتماعي، وهي مصدر تقديرها في المجتمع، وعند الدولة، وبين القبائل الأخرى. فالقبيلة التي تُحسن تمثيل نفسها، وتحافظ على هيبة شيخها، وتُظهر أجمل صور الاحترام في مناسباتها، تُصبح مثالًا يُحتذى، ويُضرب بها المثل في الأصالة والرقي.
فالسمعة الطيبة لا تُصنع بالقول، بل تُبنى بالمواقف، وتُحفظ بالسلوكيات الراقية التي تُظهر معدن القبيلة الحقيقي.

ومع اتساع دائرة الحداثة، أصبح من المهم أن نُعيد إحياء هذه القيم، لا لأنها موروث فقط، بل لأنها أساس الوحدة الوطنية، وسبب في بقاء القبيلة متماسكة أمام التحديات. فالتقدير المتبادل، والالتفاف حول الشيخ، واحترام الضيوف، كلها قيم تُعبّر عن رقيّ المجتمع القبلي، وتُظهر أجمل ما فيه.

إن القبيلة التي تحترم شيخها، وتحافظ على مكانته، وتُظهر أجمل صور الانضباط والاحترام في المناسبات، هي قبيلة تُحافظ على نفسها قبل أن تحافظ على موروثها.
فهيبة الشيخ ليست مسؤولية الشيخ وحده، بل مسؤولية كل فرد يرى في قبيلته امتدادًا لاسمه وتاريخه ومستقبله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى