المقالات

البحث العلمي والترقيات العلمية في الجامعات

ينص نظام الخدمة المدنية على أن الموظف يستحق الترقية كل أربع سنوات إذا استوفى الشروط المطلوبة. والشروط المطلوبة للوظائف غير الأكاديمية سهلة وميسّرة في أغلب الأحوال إذا توفر الرقم الوظيفي.

أما الترقيات على الوظائف الأكاديمية (أستاذ مساعد – أستاذ مشارك – أستاذ) فهي أصعب بكثير، خصوصًا أنها تتطلب قيام الأستاذ الجامعي بإجراء ونشر عدد من البحوث العلمية في مواقع النشر العلمية الرصينة، بحيث تتوافق مع تخصصه في درجة الدكتوراه.

وقد يسأل سائل: لماذا هذا التمييز في الترقيات الوظيفية؟
وللإجابة على هذا التساؤل نقول إنه نظام معمول به في كل دول العالم، والغرض منه تطوير المستوى العلمي للأستاذ الجامعي والاستفادة من بحوثه العلمية في تطوير البلاد، وهذه هي الأهداف المنشودة.

ولأن البحث العلمي التطبيقي يتطلب ميزانيات مرتفعة لا بد أن توفرها الجامعات المطالَبة في الوقت نفسه بمئات الملايين من الريالات لصرفها على رواتب الأساتذة والموظفين، وعلى مكافآت الطلاب الذين تبلغ أعدادهم عشرات الآلاف، بالإضافة إلى الإنفاق على الصيانة والتشغيل والبنية التحتية، وبهذا لا يتبقى إلا النزر اليسير جدًا من الميزانية بحيث يُنفق في أوجه البحث العلمي، هذا إذا لم تضطر الجامعة إلى استخدامه في حالة الظروف الطارئة.

وينتج في الغالب عن هذه الميزانية المحدودة للبحث العلمي انقسام الأساتذة إلى عدة أصناف:

(1) الصنف الأول: يكتفي بمرتبة أستاذ مساعد ولا يرغب في الدخول في طرق ملتوية للحصول على أبحاث للترقية.

(2) الصنف الثاني: وهو الذي يأخذ بحوثًا سابقة تم نشرها ويتناولها بالسرد والإحصاء والتحليل والنقد والتقويم، وأحيانًا بالترجمة إلى اللغة العربية ولمرة واحدة.

(3) الصنف الثالث: وهو الذي ينفق من جيبه الخاص المحدود مع زملائه لتوفير احتياجات بحثه من مستلزمات ومواد من الخارج، والتي تخضع لإجراءات رقابية طويلة من الجمارك والزكاة والدخل، وعادة ما يتأخر هذا الصنف في نشر بحوثه.

(4) الصنف الرابع: وهو الذي يستغل مركزه الوظيفي في الجامعة للضغط على الباحثين لحشر اسمه مع أسمائهم عند النشر مقابل بعض التسهيلات المقدمة.

(5) الصنف الخامس: وهو الذي يشتري البحوث قبل نشرها من باحثي بعض الدول الفقيرة التي لها باع إلى حد ما في البحث العلمي ويضع اسمه مع الباحثين.

(6) الصنف السادس: وهو نادر جدًا جدًا، وهو الذي يقوم بفبركة نتائج بحث لم يقم بإجرائه ويعمد إلى نشرها في وسائل نشر ضعيفة المستوى العلمي.

والملاحظ من كل هذه الأصناف أنها لم تحقق الهدف المنشود من تطوير المستوى العلمي للأستاذ الجامعي، ما عدا الصنفين الثاني والثالث وبدرجة محدودة. وحتى لو وُفرت لهم بعض الأجهزة فلا تؤمَّن لها مبالغ لصيانتها وتوفير قطع غيارها وموادها المستهلكة، مع العلم أن ميزانيات الجامعات تتفاوت من جامعة إلى أخرى.

وقد يقول قائل إن الفئات الثلاثة الأخيرة قد لجأت إلى ما لجأت إليه بسبب قلة الإمكانيات من أجهزة تقنية وعدم وجود اشتراك دوري في المواقع العالمية لمراكز المعلومات والبحوث، هذا بالإضافة إلى التغيير المتكرر في قواعد وشروط الترقية وزيادة صعوبتها من آن لآخر، كما أن كثيرًا من وسائل النشر تطالب الباحثين بمبالغ مادية كبيرة مقابل النشر.

والأمر الآخر هو أنه يتم الآن إشغال الأساتذة بأعمال تضيع وقتهم الثمين فيما لا يفيدهم علميًا، مثل المناصب الإدارية، وما ظهر أخيرًا بتكليفهم بالقيام بإجراءات محدودة الفائدة، كجمع البيانات عن نتائج الطلاب في المقررات الدراسية، وعمل الإحصائيات وتحليلها، وتطبيق معايير الجودة والاعتماد الأكاديمي، والتي لم تؤدِّ يومًا إلى تحسين مستواهم العلمي. فالأولى، وإن كان لا بد منها، فهناك مؤسسات متخصصة يمكن أن تقوم بهذا الدور للجامعة لا الأساتذة.

نحن الآن، وفي ظل رؤية 2030، في أمسّ الحاجة لأن نعي أن البحث العلمي هو أساس العلم، فهذا الكم الهائل من المعلومات التي تُفرَّغ في عقول الطلاب إنما جاءت من بحوث علمية أجرتها الأمم المتقدمة من قبل. كذلك نحن في حاجة لأن ندرك أن دور الأستاذ الجامعي ليس التدريس وإلقاء المحاضرات للطلاب فقط، فذلك يمكن تعويض بعضه بمقاطع (اليوتيوب)، بل هو مطالب أيضًا بالمساهمة في ارتقاء وطنه علميًا وتقنيًا.

فيا ليتنا نعطي عضو هيئة التدريس مزيدًا من الوقت الكافي، ونحثه على البحث العلمي النزيه، ونهيئ له الإمكانيات الكافية، ونشغله فيما يعود عليه وعلى الجامعة والوطن بشكل عام بالنفع، وعدم اضطراره للبحث عن موارد أخرى أو لترك الجامعة والانتقال إلى القطاع الخاص. كما أنه من المناسب جدًا إشراك القطاع الخاص وحثه على دعم البحوث العلمية التطبيقية في الجامعات.

إن الصراع الذي يعيشه الأستاذ الجامعي بسبب هذه العوائق بين رغبته في الترقية العلمية لتحسين دخله ووجود طرق ليست محمودة، قد يُشل قدراته على التفكير العلمي السليم، ويضعف الثقة في نفسه، ويبعده عن النقاشات العلمية حتى لا ينكشف مستواه العلمي الحقيقي، وقد يقوده إلى الشعور بالنقص أمام أساتذة الجامعات في العالم، ويحرمه من المشاركة في المنتديات العلمية الخارجية، وهذا ما لا يحقق رؤية سمو ولي العهد.

وقد يكون بديلًا لذلك إنشاء مراكز بحثية متكاملة وبميزانيات مستقلة عن ميزانيات الجامعات بحيث يستطيع الأستاذ الجامعي الاستفادة من خدماتها.

أ.د. حسني بن أحمد مؤذن

أستاذ متقاعد من جامعة ام القرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى