الثقافية

من الفوضى إلى المعنى : « أخابيط » والخيال العلمي السعودي بنبرة مختلفة

رحمة الطويرقي _ الطائف
في بعض الأمسيات لا نخرج بحصيلة كلمات بل نغادر ونحن نحمل أسئلة جـديدة …
وهذا وحده كافٍ ليُقال : هنا حدث شيء يستحق التوقّف.
في سماء بيرفتكو ، لم تكن لينة الشعـلان مجرّد كاتبة تستعرض روايتها «أخابيط»،
بل كانت عقلًا يفتح نافـذة ، وباحـثة تُعيد ترتيب الفوضـى لا لإنكارهـا ، بل لفهمهـا.
فحين تقرأ ..أخابيط.. تدرك سريعًا أن العنوان ليس عبثًا لغويًـا ، بل توصيف صادق لفوضـى واعية…
فوضى تشبه الداخل الإنسـاني حين يفيض أكثر مما يحتمل الترتيب.

لينة ككاتبة وباحثة في مجال العلم الوظيفي والتوحّد ،
لا تكتب من مسافة آمنـة ، بل من تماسٍ مباشر مع الأسئلة الحرجة: كيف يعمل العقل ؟!
وكيف يُنتج المعـنى وسط الاخـتلاف ؟!
وكيف يمكن للخيال العلمي السعودي أن لا يكون هروبًا من الواقع ، بل أداة لفهمه ، وتفكيكه ، وإعادة بنائه برفق ؟

حديثها عن «أخابيط» لم يكن شرحًـا للروايـة ،
بل كشفًا لطبقاتها الخفيّة عن فوضى تشبهنا ، عن شخصيات لا تبحث عن نظامٍ جاهز ، بل عن معنى يحتمل هشاشتها.
طرحٌ رصين، هادئ، عميق ، لا يرفع صوته ليُقنـع ،
بل يهمس … فيصيب.
واللافت أن الخيال العلمي في تجربتها لم يتسلّل بعنف أو ادعـاء ، بل دخل عـقولنا بخفّة وانسـيابية ، كأنـه يعرف طريقه مسبقًا ، ويعرف أن القارئ العربي لم يعد يخشى السؤال ، بل يخشى السطحية.

أما إدارة الحوار ، فكـانت بقيادة خلـود العتيبي ،
التي أمسكت بدفّة النقاش برشاقة متناهية،
لا تُقاطع الفكرة ، ولا تتركهـا تغرق في العموميات.
حوار متوازن ، يعرف متى يتقدّم بالسؤال ،
ومتى يتراجع احترامًـا للفكـرة وهي تتشكّل.

هكذا كانت الأمسية: كاتبـة تفهم فوضاها، وباحثة تحترم اختلاف العقل ، وحوار يُدار بذائقة ، وجمهور خرج وهو يدرك أن الرواية ليست حكايـة فقط ، بل طريقة أخرى لرؤية العالم.

نُثمّن للشعلان هذا الطرح العميق ، الذي لا يكتفي بالإبهـار ، بل يضيف وعيًـا ، ويؤكد أن الخيال العلمي السعودي لم يعد احتمالًا قادمًا…
بل واقعًا يُكتب بثقـة ، وعقلٍ يعرف أين يقف، وإلى أين يمضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى