المقالات

إيقاف بدل الندرة… قرار مالي بتبعات اجتماعية مؤلمة..

على مدى سنوات طويلة، لم يكن بدل الندرة مجرد حافز مالي عابر في رواتب منسوبي الجامعات، بل أصبح جزءاً ثابتاً من الدخل الشهري الذي بُنيت عليه التزامات معيشية وقرارات مالية مصيرية. ومع إيقاف هذا البدل بشكل مفاجئ، تبرز تساؤلات مشروعة حول الأثر الحقيقي لمثل هذا القرار على الاستقرار المالي والاجتماعي لشريحة أكاديمية أسهمت في بناء التعليم العالي وخدمة التنمية. لقد اعتاد كثير من الأكاديميين في الجامعات على بدل الندرة بوصفه دخلاً معتمداً ومستقراً، واستندوا إليه عند التخطيط لالتزامات طويلة الأجل؛ كالقروض البنكية، والأقساط الشهرية، والدخول في مشاريع صغيرة، أو شراء وبناء مساكن. وهذه الالتزامات لم تُتخذ باندفاع أو مجازفة، بل جاءت بناءً على دخل استمر لسنوات طويلة بموافقة ودعم من القيادة الرشيدة حفظهم الله. وعليه؛ فإن إلغاء هذا الدخل دون مراحل انتقالية أو حلول بديلة يضع الأفراد أمام التزامات لا يمكن التراجع عنها بسهولة.

الإشكالية لا تكمن فقط في مبدأ الإيقاف، بل في أسلوبه وتوقيته. فالقرارات المالية التي تمس دخل الموظف، خاصة إذا كان هذا الدخل مستقراً لسنوات، يفترض أن تُدار بمنهجية تراعي الاستقرار الوظيفي والاجتماعي. فالدخل الذي استمر عقداً أو أكثر لا يمكن التعامل معه بوصفه مكافأة مؤقتة، بل كجزء من المنظومة المعيشية التي تكيفت معها الأسرة التزاماً وتخطيطاً. كما أن لهذا القرار انعكاسات مباشرة على البيئة الجامعية؛ إذ يخلق حالة من عدم الاطمئنان الوظيفي، ويؤثر في الدافعية والإنتاج العلمي، ويزيد الضغوط النفسية على الأكاديميين، في وقت يُنتظر منهم التركيز على البحث والتدريس وخدمة المجتمع، لا الانشغال بإعادة جدولة الديون أو مواجهة تبعات مالية طارئة.

ومن زاوية تنظيمية، يمكن عند معالجة مثل هذه الملفات مراعاة التدرج والتمييز بين الفئات الوظيفية المختلفة، بحيث تُطبَّق أي تنظيمات جديدة على من يلتحقون بالحقل الأكاديمي مستقبلاً، مع المحافظة على الاستقرار المعيشي لمن أمضوا سنوات طويلة وهم يتقاضون بدل الندرة واعتمدوا عليه في تنظيم التزاماتهم. فمثل هذا النهج يحقق قدراً من التوازن بين متطلبات التنظيم المالي والحفاظ على الثقة والاستقرار الوظيفي. ومن زاوية استراتيجية، فإن إيقاف بدل الندرة قد يؤدي إلى نتائج عكسية للهدف الذي أُقر من أجله أصلاً، والمتمثل في استقطاب الكفاءات المتخصصة والحفاظ عليها. وضعف الاستقرار المالي ينعكس بالضرورة على القدرة على العطاء والاستمرار، وهو ما لا يخدم مسار تطوير التعليم العالي ولا الاستثمار في رأس المال البشري. لا شك أن ضبط الإنفاق وترشيد الموارد هدف مشروع، غير أن المنطلق التنظيمي يقتضي مراعاة عدم إحداث أثر مباشر على من بُنيت التزاماتهم الحياتية على أنظمة معتمدة لسنوات. وكان من الممكن معالجة هذا الملف عبر حلول مرحلية أو تنظيمات انتقالية تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي لمن التزموا بتلك القرارات المالية بحسن نية.

ختاماً، فإن إيقاف بدل الندرة ليس مجرد إجراء مالي، بل قرار ذو أبعاد اجتماعية واقتصادية ونفسية صامتة لا تظهر في التقارير، لكنها حاضرة في تفاصيل حياة الأسرة. والتعامل الرشيد مع هذا الملف يتطلب موازنة دقيقة بين متطلبات التنظيم المالي وحق الاستقرار الوظيفي، فاستقرار منسوبي الجامعات هو في جوهره استقرار للتعليم، وأي اهتزاز فيه ينعكس على جودة المخرجات ومستقبل المعرفة.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى