المقالاتعام

الموهبة لا عمر لها ولا حدود

في عالمنا المعاصر، حيث تتسارع وتيرة التغيير وتتسع آفاق التواصل، أصبح عصر الانفتاح هو السمة البارزة التي تميز حياتنا اليومية. هذا الانفتاح الذي يشمل تبادل الأفكار، الثقافات، والتقنيات، خلق بيئة خصبة لاكتشاف وتطوير المواهب بكل أشكالها. الموهبة، التي كانت في السابق قد تُقيد بعوامل مثل العمر أو المكان، أصبحت اليوم بلا حدود زمنية أو جغرافية. فبفضل التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، يمكن لأي فرد في أي عمر أن يبرز موهبته ويصل بها إلى العالم بأسره.

أن الموهبة في عصر الانفتاح هي طاقة متجددة تتغذى على الفرص المتاحة والتحديات الجديدة. في الماضي، كان يُعتقد أن الموهبة تظهر في مراحل عمرية معينة، وغالبًا ما تُرتبط بالطفولة أو الشباب، حيث يكون العقل أكثر قدرة على التعلم والتطور. لكن مع تطور وسائل التعليم والاتصال، تغير هذا المفهوم جذريًا. اليوم، نرى أمثلة كثيرة لأشخاص اكتشفوا مواهبهم وحققوا نجاحات في مراحل متأخرة من حياتهم، وحققوا نجاحات ملهمة. على سبيل المثال، راي كروك بدأ مسيرته بائعاً لأجهزة عمل الحليب المخفوق، وأسس شركة ماكدونالدز في سن 52. واليس بلوم بدأ شركته الخاصة لصناعة الآيس كريم في سن 57، وحققت الشركة إيرادات بلغت 80 مليون دولار. لورا أنجالز وايلدر نشرت أول كتبها عن عمر 65 عاماً، وأصبح من الكلاسيكيات للأطفال. هارلاند ساندرز طوّر الامتياز التجاري لمطاعم كنتاكي فرايد تشيكن في سن 62. آن ماري روبرتسون موزيز بدأت مسيرتها في الرسم عن عمر 78 عاماً، وبيعت إحدى لوحاتها مقابل 1.2 مليون دولار. أريانا هافينجتون أسست صحيفتها الخاصة The Huffington Post في عمر 55 عاماً، وأصبحت اسماً مرموقاً.

وفي المملكة العربية السعودية، تشكل رؤية 2030 نموذجاً حياً لدعم الموهبة والتميز. حيث تهدف الرؤية إلى تطوير الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل، مع التركيز على تمكين الشباب والمواهب المحلية. من خلال برامج مثل برنامج الابتعاث الخارجي، ومراكز الابتكار، والحوافز للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، توفر رؤية 2030 فرصاً كبيرة للأفراد لاكتشاف وتطوير مواهبهم في مختلف المجالات. هذا الدعم يبرز جهود المملكة بتعزيز الإبداع والابتكار، ويفتح الأبواب أمام الموهوبين لتحقيق أهدافهم ومساهمتهم في بناء مستقبل أفضل.

وتشير الإحصائيات إلى أن جهود مؤسسة موهبة في دعم الموهبة والإبداع في المملكة العربية السعودية قد حققت نتائج ملموسة. حيث حققت مؤسسة موهبة 119 جائزة دولية في 25 أولمبياد دولي ومسابقة آيسف العالمية عام 2024، ليرتفع إجمالي جوائز المملكة إلى 854 جائزة عالمية. كما استوعب برنامج موهبة المتقدم للعلوم والرياضيات أكثر من 2000 طالب وطالبة في أكثر من 100 مدينة ومحافظة حول المملكة. وحقق الأولمبياد الوطني للإبداع العلمي رقمًا قياسيًا مع أكثر من 210 آلاف طالب وطالبة مسجلين في 47 إدارة تعليمية. ونفذت موهبة 9 ملتقيات تأهيلية وتدريبية للطلبة الذين رشحوا لتمثيل المملكة في المسابقات الدولية. واستفاد من برنامج الإثرائي الصيفي نحو 13 ألف موهوب وموهوبة في 16 مدينة ومحافظة. وتمكين رابطة موهبة أكثر من 1176 عضوًا في أكثر من 25 جهة حكومية وخاصة.

عصر الانفتاح وفر منصات متعددة مثل اليوتيوب، البودكاست، ودورات التعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد التي تسمح لأي شخص بتعلم مهارات جديدة، تطوير مواهبه، ومشاركتها مع جمهور واسع. علاوة على كل ذلك، الانفتاح الثقافي والاجتماعي ساهم في كسر الحواجز التي كانت تمنع بعض الفئات من التعبير عن مواهبهم، مثل كبار السن. هذه الفرص الجديدة جعلت من الممكن أن تتفتح مواهب كانت مخفية أو غير معترف بها سابقًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن التفاعل المستمر مع مختلف الثقافات والأفكار يعزز الإبداع ويولد أفكارًا جديدة، مما يوسع من حدود الموهبة ويجعلها أكثر تنوعًا وغنى.

إن الموهبة في عصر الانفتاح أصبحت بلا عمر ولا حدود، فهي ليست حكراً على فئة عمرية أو مكان معين. بل هي طاقة كامنة في كل فرد تنتظر الفرصة المناسبة لتظهر وتزدهر. عصرنا الحالي يقدم هذه الفرصة من خلال التكنولوجيا، التعليم المفتوح، والتواصل العالمي. لذا، يجب علينا أن نؤمن بأن الموهبة لا تتوقف عند سن معين، وأن نستثمر في أنفسنا وفي الآخرين بغض النظر عن العمر، لنخلق مجتمعًا مليئًا بالإبداع والتميز. الموهبة حقًا هي لغة العصر، والإنسان هو حاملها الحقيقي في رحلة لا تنتهي من التعلم والتطور المستمر في وطن يدعم المواهب وينميها.

د. علي محمد الحازمي

خبير وباحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى