
المتأمل في مسيرة الحضارة البشرية، وما تركته من بصمات وشخصيات عبر مسارب الزمان والمكان، يدرك بوضوح لا لبس فيه مدى التميز الذي صنعته الشخصيات الفاعلة التي أدارت دفة المشهد الحضاري في تلك الحقب التاريخية الغابرة، والتي انعكس إبداعها لاحقًا على مجريات الأحداث التاريخية، ولاسيما في أوج ازدهارها وتألقها. وهذا يدعونا إلى محاولة فك سرّ التميز المتجذر في تلك الشخصيات المحورية التي صنعت ذلك المشهد الحضاري الخلّاق.
ويأتي، بلا مراء، في مقدمة هذه الشخصيات «الوزير»، بوصفه العقل الفاعل والمدبر الذي يرسم السياسات لوزارته، ويتابع تنفيذها، ويراجع نتائجها ويقوّم مساراتها، كما يتحمل مسؤولية إخفاقها أو نجاحها، سواء فيما يباشره مباشرة أو بصورة غير مباشرة. وقد تعاظمت مكانة الوزير في عصرنا الحاضر في ظل الحوكمة والشفافية، والتحول الرقمي، واقتراح الخطط، ورسم الاستراتيجيات الحاضرة والمستقبلية، فلم يعد أمام الوزير المعاصر خيار سوى التجديد والنجاح، وقبول النقد بصدر رحب، والقدرة غير التقليدية على تحقيق خطط وزارته وتفعيلها، مع خضوعها لرقابة جهات مستقلة لا سلطة له عليها.
وليس المقصود هنا رسم استراتيجيات جديدة لهذه الوزارة أو تلك، بقدر ما هو التركيز على خطأ إداري متجذر قديمًا وحديثًا، لا يمكن تعويضه بأي بديل إداري آخر، وهو «احتجاب الوزير عن الشكاة والمراجعين»، والاعتكاف في صومعة المكتب، بعيدًا عن عامة الناس، ولاسيما النساء والفقراء والبسطاء وكبار السن ممن لا لوبي لهم من مال أو جاه أو شهرة، بحجة وجود أدوات التواصل الحديثة وكثرة السكرتارية والوكلاء والنواب.
ورغم ما وصلت إليه الإدارة الحديثة من تنظيم دقيق يمثّل قمة النضج الإداري، فإن جذور البيروقراطية السلبية ما تزال تطاردها، ولن يمكن التخلص منها تمامًا إلا بالجمع بين الأصالة والمعاصرة، واستلهام تراث الإدارة الإسلامية التي ذابت فيها البيروقراطية حين كان المسؤول، مهما علت رتبته، مباشرًا في خدمة الناس، انطلاقًا من قوله تعالى:
﴿قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾،
وقوله تعالى:
﴿قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾.
وقد حفلت التجربة الإسلامية بنماذج عملية تؤكد ضرورة قرب المسؤول من الناس، فقد كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحذر ولاته من الاحتجاب، ويقول: «إياكم والحجاب»، ويوصيهم بأن يفتحوا أبوابهم للضعفاء قبل الأقوياء. كما نقلت كتب التراث وصايا عديدة تؤكد أن الحاجب والسكرتارية والموظفين المحيطين بالمسؤول هم وجهه الآخر، وأن حسن اختيارهم من حيث الأمانة والتواضع والرحمة واللين ضرورة إدارية وأخلاقية، لأن تعاملهم مع الناس ينعكس مباشرة على صورة الوزير نفسه.
إن سياسة «الباب المفتوح» لا تعني تعطيل أعمال المسؤول أو إغراق وقته، لكنها تعني أن يظل الوصول إليه ممكنًا بلا حواجز مصطنعة، وأن يشعر المراجع بأن صوته قد يصل، وأن مظلمته يمكن أن تُسمع، وأن الإدارة لم تتحول إلى متاهة مغلقة لا يرى فيها الناس صاحب القرار.
ولا شك أن هذا السلوك الإداري المنفتح يعزز نجاح أي استراتيجية وزارية، ويرفع ثقة المجتمع في مؤسساته، ويجعل مخرجات الوزارة أكثر التصاقًا بحاجات الناس، فيتحقق النجاح المؤسسي المستدام، وتبقى السيرة الحسنة للمسؤول قبل المنصب وبعده.





