المقالات

الاستثمار في العقول بدلًا من الحقول

المهندس الجيولوجي الدكتور فاروق القاسم، نرويجي من أصول عراقية، عمل مهندسًا بارزًا في سياسات النفط والغاز في النرويج، ولقّب بـ«عراب النفط النرويجي» أو «منقذ النرويج»، بعد أن أسهم بجهده وخبرته في اكتشاف حقل إيكوفيك النفطي الضخم في بحر الشمال عام 1968م. كما قاد الدكتور القاسم عملية إعادة هيكلة إدارة قطاع النفط في النرويج، محولًا الدولة من اقتصاد يبحث عن موقعه إلى واحدة من أغنى دول العالم.

كتب الدكتور فاروق القاسم مقالًا بعنوان «استثمار العقول بدلًا من الحقول»، بيّن فيه أهمية الاستثمار في العقل البشري، باعتبار أن عطاءه متجدد ولا ينضب، بخلاف الموارد الطبيعية من نفط وغاز ومعادن، التي تمتلك عمرًا محدودًا وتظل سلعة قابلة للنضوب.

وفي هذا السياق يقول الدكتور القاسم:
«في سنغافورة، البلد الذي بكى رئيسه يومًا لأنه يقود دولة فقيرة لا تمتلك حتى مصادر مياه كافية، أصبحت اليوم من الدول المتقدمة عالميًا في مستوى دخل الفرد، على الرغم من أنها لا تمتلك موارد طبيعية تُذكر، لكنها استثمرت في عقول أبنائها، وفي التقنية والابتكار وبراءات الاختراع».

كما يضرب مثالًا آخر باليابان التي خرجت من الحرب العالمية الثانية مهزومة ومدمرة بعد تعرضها للقصف النووي، لكنها خلال أقل من خمسة عقود استطاعت أن تبني اقتصادًا قويًا قائمًا على العلم والتعليم والتقنية، لتصبح واحدة من أقوى اقتصادات العالم، ليس بسلاح القوة العسكرية، بل بسلاح المعرفة.

وفي عصرنا الحالي، لم يعد باطن الأرض هو مصدر الثروة الأهم، بل أصبح عقل الإنسان هو الاستثمار الأكثر ربحًا واستدامة. فعند شراء هاتف محمول من نوع «جالكسي» أو «آيفون» مثلًا، فإن قيمته الحقيقية لا تكمن في المواد الخام التي صُنع منها، إذ لا تتجاوز قيمتها جزءًا بسيطًا من السعر النهائي، بينما تأتي القيمة الكبرى من المعرفة التقنية والابتكار والبحث العلمي الذي يقف خلف هذا المنتج، وهو ما يعكس جوهر اقتصاد المعرفة الحديث.

إن أرباح شركة تقنية واحدة قد تعادل في بعض السنوات موازنات دول كاملة، وهو ما يؤكد أن الاقتصاد العالمي اليوم لم يعد يقوم فقط على الموارد الطبيعية، بل على الابتكار والتقنية والاستثمار في الإنسان.

ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي يكمن في الإنسان من خلال التعليم والتدريب وتطوير المهارات، فالعقل البشري هو الأصل الأبقى والأكثر قيمة مقارنة بالموارد المادية الأخرى. ويسهم هذا الاستثمار في بناء أجيال مفكرة ومبدعة ومبتكرة، تحقق التنمية المستدامة، وترفع كفاءة القوى العاملة، وتضمن مستقبلًا أكثر قوة وازدهارًا للمجتمعات.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى