المقالات

الغيرة المرضية وآثارها المدمرة للأسرة وكيفية علاجها

الغيرة انفعالٌ نفسي فطري في النفس البشرية، تنشأ أحيانًا عن عدم الثقة بالنفس وحب التملك، وقد يعود السبب في شدتها إلى الإهمال وعدم الشعور بالأمان في الصغر. وهي نوعان:
النوع الأول: الغيرة الطبيعية، ودافعها ميل الإنسان للدفاع عما يعتبره حمايةً لحقوقه المعنوية والمادية.
أما النوع الثاني فهو الغيرة المرضية، التي تؤدي إلى كثير من السلوكيات غير السوية، مثل الكراهية، والشك في الآخرين، وقد تصل أحيانًا إلى العنف.

وتختلف النفوس البشرية في التعامل مع هذا الشعور؛ فهناك من يحاول كتمانه وإن كان يتفلت منه في بعض المواقف، وهناك من لا يستطيع كتمانه فتظهر في صورة انفعالات مضحكة مبكية. وقد لقي سيد البشر نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعض هذه الانفعالات من الآخرين، حيث وردت في السنة مواقف كثيرة صحيحة، منها غيرة أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها، فجاءه خادم إحدى زوجاته بإناء فيه طعام، فضربت السيدة عائشة الإناء بيدها فوقع على الأرض وانكسر، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «غارت أمكم».

ومن مظاهر الغيرة السيئة تلك التي تقود صاحبها إلى الانتقام من الآخرين إذا تفوقوا عليه في أمور الدنيا، من ذكاء فطري أو نجاح في العمل والتجارة أو محبة الناس، فبالرغم من إيمانهم بأن ذلك كله بفضل الله، إلا أنهم لا يتقبلون هذه النعم عند الآخرين، ويعتقدون أنهم أجدر بها، وقد يقودهم هذا الشعور إلى تدبير المكائد لأصحاب هذه النعم والتقليل من شأنهم في المجالس ووصفهم بأبشع الصفات.

ومن خلال ممارسة الرقية الشرعية والعلاج بالإرشاد النفسي لمثل هذه الحالات، ظهرت صور متعددة من الغيرة المرضية التي فككت بعض الأسر بالطلاق، ونتج عنها ضياع للأبناء ومشكلات اجتماعية عديدة، ومن ذلك غيرة الزوج من محارم زوجته، أو غيرة الزوجة من محارم زوجها، وكذلك غيرة أهل الزوج من زوجة ابنهم، أو غيرة أهل الزوجة من زوج ابنتهم.

وتظهر أشكال هذه الغيرة في محاولة تصوير أحد الزوجين أهل الطرف الآخر بصورة مشوهة، والادعاء كذبًا بأنهم يعاملونه معاملة سيئة في غيابه، مع كثرة الشكوى من تصرفاتهم في محاولة للتقليل من تواصل الزوج أو الزوجة مع أهلهما. وكذلك قد يحاول بعض أهل الزوج تصوير زوجة ابنهم بأنها شريرة وتخطط لقطع تواصل الزوج مع أهله، ويعظم الأمر عندما يدخل الشريكان في دائرة عقوق الوالدين.

وفي بعض المجتمعات تظهر هذه الغيرة بنسبة أكبر لدى النساء نتيجة ازدياد درجة حب التملك لديهن، والرغبة في الاستحواذ على مشاعر الزوج وأمواله وأبنائه، إلى الحد الذي يجعله مقيدًا بقيود نفسية شديدة. كما يظهر دافع حب التملك أحيانًا لدى أهل الزوج، وبخاصة بعض الأمهات.

وفي بعض الحالات، وعندما يرفض الزوج أو الزوجة هذه السلوكيات، قد يلجأ الطرف المصاب بالغيرة المرضية إلى التهديد بطلب الطلاق أو إثارة المشكلات لأتفه الأسباب، وقد يدخل في نوبات غضب هستيرية يفسرها أحيانًا تفسيرًا خاطئًا على أنها سحر أو مسّ، فيصدق بعض الناس هذه الادعاءات ويقطعون علاقاتهم بأقاربهم، مما يزيد المشكلة تعقيدًا.

ولأن هذا النوع من الغيرة كثيرًا ما هدّم بيوتًا آمنة وفرّق عوائل متحابة وقاد إلى التفكك الأسري وتشرد الأطفال، خصوصًا عند من لا يعرفون كيفية التعامل مع هذه الحالات، فإن علاجها ينبغي أن يكون شاملًا، دينيًا وسلوكيًا واجتماعيًا ونفسيًا ودوائيًا.

فالعلاج الديني يشمل دعوة جميع الأطراف إلى تقوى الله، والتذكير بقوله تعالى:
{والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا}،
والتحذير من قطيعة الرحم، والتأكيد على أن الشيطان يستغل الانفعالات غير المتزنة ليفسد العلاقات الأسرية.

أما العلاج السلوكي فيشمل تعديل الأفكار غير العقلانية لدى الشخص المصاب، وتدريبه على تحمل مشاعر القلق وعدم القفز إلى استنتاجات سلبية، وتعزيز ثقته بنفسه من خلال جلسات استشارية مع المختصين.

أما العلاج الاجتماعي فيتمثل في تدخل عقلاء الأسرة لاحتواء المشكلة، وطمأنة الطرف المصاب بأنه جزء مهم من الأسرة، مع التأكيد على حياد بقية أفراد الأسرة وعدم تأجيج الخلافات، وأن الغيرة انفعال فطري يمكن التقليل من تأثيره بالحكمة والتفاهم.

أما العلاج النفسي الدوائي فيُلجأ إليه في الحالات الشديدة المهددة بالتفكك الأسري، من خلال مراجعة الأطباء المتخصصين، وقد تُستخدم بعض العقاقير الطبية التي تساعد على تقليل القلق والشك والتوتر، ولا تهدف إلى القضاء على الغيرة تمامًا، بل إلى ضبط الانفعال والتعامل معه بشكل متزن، وهذا ينطبق على الرجال والنساء على حد سواء.

وأختم بالدعاء بالعون من الله لكل زوج أو زوجة يواجه هذا النوع من الغيرة، سواء كان مصدرها الشريك أو بعض أفراد الأسرة، مع التأكيد أن تعدد الزوجات أو الزواج مرة أخرى لن يكون حلًا لهذه المشكلة، وإنما الحل الحقيقي يكمن في العلاج النفسي والسلوكي والتفاهم الأسري. والله المستعان.

أ.د. حسني بن أحمد مؤذن

أستاذ متقاعد من جامعة ام القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى