المقالات

رحيل السريحي!

كتب الأديب إلياس خوري، عند رحيل صديقه محمود درويش: «عندما يموت أحد الأصدقاء يموت جزءٌ منِّي، فكيف لي أن أتحمَّل مشقَّة ما تبقَّى من الحياة وأنا أشهد موت أجزائي»!
حين قرأت نعي أستاذي «سعيد السريحي» شعرت بعمق وصدق دلالة ما قاله الأديب إلياس خوري، وأحسست أن روحي ستفرُّ من بين جنبيَّ، وأيقنت وقتها بأن علاقتي بأستاذي قد كانت علاقة روحية وثيقة، مدت أواصرها بيننا روابط الأدب والنقد.

في عام 1417هـ، وعلى مقاعد جامعة أم القرى، كانت المفاجأة السارة لي أن الأديب «سعيد السريحي» أصبح أستاذي في إحدى المواد الدراسية، في قسم الأدب العربي بكلية اللغة العربية، وقد كنت مسرورًا بهذا الأمر سرورًا لا حد له، فقد عرفتُه من قبل الجامعة من خلال الصحف والملاحق الثقافية التي كنت قارئًا لها منذ المرحلة الابتدائية. وعلى رغم أنني كنت متهاونًا آنذاك في أمر حضور المحاضرات، إلا أن هذه المادة كنت أشد حرصًا على الحضور مبكرًا، على رغم أن موعدها كان يوافق يوم الأربعاء، من الساعة العاشرة صباحًا حتى الساعة الثانية عشرة ظهرًا.
وكنا نحن – القادمين من خارج مكة للدراسة الجامعية – نسمي هذا اليوم يوم «النفرة» للديرة، إذ كان يوم الخميس وقتها يوم عطلة مع الجمعة، لكنني كنت أضغط على نفسي وألتزم الحضور ما استطعت إليه سبيلًا، وكل ذلك من أجل ألّا أفوِّت الفرصة للاستماع إلى هذا الأديب الكبير، وأنهل من علمه ومعرفته، وأنصت إلى لغته الرائعة، وعباراته الهادئة التي تتهادى على مهل لتدخل القلوب قبل العقول.

من المواقف الراسخة لهذا الأديب العظيم، في ذاكرتي، أنه في أحد الأيام، خلال تحضيره قائمةَ أسمائِنا، في بداية تدريسه لنا، وصل عند اسم طالب من زملائنا اسمه «خالد بن هاجد البقمي»، فتوقف، وسأله: «أنت ابن فلان الفلاني، معلم اللغة العربية بمدرسة…». فرد عليه الطالب: «نعم». وبعد سؤاله عن صحة والد زميلنا والاطمئنان عليه، قال لنا: «والد خالد أستاذي، درسني في الصف الرابع الابتدائي مواد اللغة العربية، ومازلت مدينًا له بفضله وبعلمه، أقرئهُ سلامي يا ولدي…».
هذا الموقف جعلني أزداد إعجابًا به، وبهذا الوفاء النبيل لأساتذته.

والموقف الآخر حدث معي، عندما نادى على اسمي، وقال: «سليم أو سليّم»؟ فأجبته بأنه بالشدة، فقال: «أنا أحب مثل هذه الأسماء، وتعجبني أصالتها». ثم وجّهني بأن أذهب إلى عمادة القبول والتسجيل، ونبّهني إلى أن هناك خطأ في اسم العائلة، إذ حُذفت «ال» التعريف منه.

كان في محاضرته آية في السمو الأخلاقي والتواضع مع طلابه، بل إنه أحيانًا كان يختصر المحاضرة تقديرًا للمسافرين إلى ديارهم وأهلهم، ولحرصه على راحتنا كان يخبرنا إذا كان سيمنعه ظرف سفر أو حضور لقاء، خلال الأسبوع المقبل، كي لا نتكبد عناء الحضور.

تواصلت معه بعد عقدين من لقائنا، في جامعة أم القرى، على مقاعد الدراسة، وعبر منصة «إكس»، وعرفته بنفسي، وذكّرته بأنني أحد طلابه.
وتبادلنا أطراف الحديث حول بعض المواضيع الثقافية، وكان بتواضعه الجم يخبرني بسعادته بالحديث معي، ويتحدث معي حديث الأب لابنه، ويوجهني ويسدي نصائحه القيمة إلي.

لم ألتقِه مجددًا، بعد محاضرات الجامعة، لكنني كنت متابعًا لكل حواراته التلفزيونية، وندواته عبر «يوتيوب»، وأقرأ مقالاته وكتبه أولًا بأول، فكان حاضرًا معي عبر قراءاتي لنتاجه والاستماع لحواراته.
وأعتقد أن هذا الأمر يعدُّ من أقوى الروابط وأكبرها بين القارئ والكاتب.

دهمني الحزن عندما علمت بأن المرض قد أطاح بحضوره المهيب، وأدخله في الغيبوبة، ثم تألمت روحي عندما قرأت نبأ رحيله ومغادرته هذه الدنيا.

لروحه الطيبة السلام والرضوان، وعلى قبره شآبيب رحمة الله، وله مغفرته، وسيظل اسمه وأثره الثقافي والأدبي حاضرًا، فقد أثرى الساحة الثقافية والأدبية فكرًا ورؤىً نقدية بسخاء، وأنا بذلك أعدّه من أهم النقاد الذين أضافوا كثيرًا للساحة الأدبية والثقافية في العصر الحديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى