المقالات

بين الصمت والدعاء .. يولد نورك من جديد

في هذه الحياة ، قد يمر عليك يومٌ أثقل من احتمال قلبك ، ورغم ذلك تواصل سيرك وكأنك ثابت ، بينما في قرارة ذاتك تشعر بروحك تخفت ببطء ، كشمعةٍ تقاوم الريح لتظل مضيئة قدر ما تستطيع ، عندها فقط تدرك كم يحتاج القلب إلى لحظة هدوءٍ وصدقٍ ليستريح فيها ، ورغم ذلك ، قد تظل روحك تبحث عن سلامٍ في أماكن لم يسكنها السلام يومًا ، كمن يفتّش عن ضوءٍ في طريق ليس به نور ، وحين تبتسم .. حتى لا تفضحك الدموع، لأنك تحمل همًا لا يعرفه أحد ، متظاهرًا بأنك بخير وحتى لا تُثقل على قلوبٍ يكفيها ما فيها ، أو لمن نام وهو يحمل في قلبه حكاية لم يقلها أو لم يجد من يسمعها ، هذا المقال لك ..
في كل مرحلة من الابتلاء ، هناك لحظة خفية لا ننتبه إليها تتحول فيها الحيرة إلى فهمٍ والضيق إلى طمأنينة تشبه الدعاء ، في تلك اللحظة لا يتغير العالم ، بل تتغير الرؤية ، وحيث أننا جميعًا نسير في طريق الحياة ذاته ، لكن لكل منا درب يخصه في الفهم والسعي ، ذلك سر الرحلة التي لا تُدرك بالعين بل بالقلب .
إن ما يبدو متشابهًا في الخارج قد يكون في داخله عالم مختلف ، وما يراه الناس صدفةً قد يكون عند الله ترتيبًا دقيقًا لإيقاظ روح نائمة ، فتدرك حينها أنه لا أحد ينجو من الاختبار .

إن الله لا يبتلي ليؤلم ، بل ليعيد ترتيب نور الفهم و الحكمة داخلنا ونتعلم أن الله لا يصلح حياتنا دائمًا بتغيير ما حولنا ، بل بتغييرنا نحن من الداخل حتى نصبح أعمق إيمانًا وإدراكا ل معنى الابتلاء .

إن الله سبحانه يعيد ترتيب قلوبنا قبل أن يرتب أيامنا ، فالذي يسأل الله كثيرًا ، ثم يخاف أن يكون التأخير علامة بُعد ، عليه أن يفهم بأن التأخير ليس رفضًا أو نسيانًا ، وأن ما ينتظره القلب بصدقٍ يأتي ولو بعد حين .
وعندما يبدو لك الطريق طويلاً ، فذلك لأن الله يمهّلك لتترك ما لا يناسبك ، ويُعدّك لما هو أفضل من توقعاتك ، فما يرهقك اليوم ليس عقابًا ، بل صقلٌ ينقلك من مرحلة لم تكتمل فيك إلى قوة بناء جديدة تُصاغ لك من الداخل دون أن تشعر ، أما عندما تتألم بصمتٍ لأن الألم غالبًا لا يُحكى ، فاعلم أن الله يسمعك حتى في صمتك كما يسمعك في دعائك ، وأن الله لا يتخلى عن قلب يبحث عنه دون أن يهديه ، فليس كل ما تدعو به يُستجاب فورًا ، وليس كل ما يتأخر يُنسى ، وإن ما تظنه تأخيرًا قد يكون إعدادًا لخير لك قد لا تدركه الان ، لكنك ستفهمه يوما ما و يكون أفضل ما حصل لك وانت لاتدري ..
إن الألم أحيانًا يكون طريق لاختبار الحب الإلهي لك في أعمق معانيه ، ذلك لأن بعض الإجابات تحتاج قلبًا أكثر ثباتًا ، وبعض الأمنيات تحتاج إدراكًا ونضجًا .

إن الله سبحانه الأعلم بمواقيت نور الفهم عندك وإشراقة الحكمة فيك ، عندها فقط تكتشف في عالمٍ يقاس فيه الجمال بالصور والنجاح بالضجيج ، أن الرفعة الحقيقية ليست فيما يُرى بل بما يُبنى بصمت في الداخل ، وأن أعظم انتصارٍ في الحياة ليس في تصفيق الناس لك بل عندما تُصافحك روحك بسلامٍ بعد طول غياب كذلك عندما تدرك أن الله لا يأخذك في طريقٍ مليءٍ بالعثرات إلا ليعيدك إلى سلامك الحقيقي وإلى بصيرة تعود لطريقها من جديد .

إن العودة إلى الذات ليست رجوعًا إلى الماضي، بل إلى الفطرة الأولى… إلى النقطة التي ما زالت نقية رغم كل ما مرّ ومضى. وإن كل ما خسرته في الطريق لم يكن فقدًا، بل كانت أبواب لطف خفية أعدها الله لك لتشرق بصيرتك بنوره فتفهم أن كل ما غاب عنك كان تمهيدًا لأن تعود إلى نفسك، فتدرك مع الأيام وتتعلم أن القلب لا يُشفى بالكلمات المنمقة، بل بالصدق مع الذات، وبالنظر بعين الشكر والامتنان لله سبحانه وتعالى عما تبقّى عندك لا لما رحل عنك ، وحين تنظر خلفك بعد شهور أو حتى سنوات، ستدرك أن الله لم يضيع لك شيئًا ، بل كان يعيد ترتيب الفوضى داخلك… ليجعلك أقوى ، أهدأ ، وأقرب إليه، وهو الذي يمهد لك الطريق بخطوات دقيقة لا تُخطئ موعدها… وقتها فقط ستفهم أن منزلتك لا تُقاس بما تملك أو بما يقوله الناس عنك ، بل بما يراه الله فيك وبما تراه أنت من نور في أعماقك ، كيقين وحسن ظن بالله ، فتشعر بقلبك يخبرك أنك لم تُخلق لتترك ، وأن لك رسالة ما في هذه الحياة ، وإذا فهمت ذلك جيدًا ستصل إلى لحظة تدرك فيها أن كل ما مررت به كان طريقًا يعيدك إلى فطرتك النقية وإلى النور الذي في قلبك ، وأن الله لم ولن يتخلى عنك يومًا ، بل هو معك في كل خطوة ، يمهد لك طريقك .
إن كل تأخير ظننته كان يحمل في طياته لطفًا ، وأن أجمل المقامات لا تؤخذ بالسعي بل تُوهب حين يسلم القلب أن كل أمر الله خير.

• الاستشاري النفسيي والتربوي 

د. آسيا الجري

الاستشاري النفسيي والتربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى