تاريخ الجامعات العالمية يسجل مواقف إنسانية وأكاديمية لافتة حين قررت مؤسسات علمية مرموقة منح درجات علمية لطلاب وباحثين بعد وفاتهم، تقديرًا لجهودهم العلمية واعترافًا باستكمالهم متطلبات الدراسة أو إنجازهم أعمالًا بحثية مكتملة القيمة. وقد تحولت هذه الخطوة في كثير من الدول إلى تقليد أكاديمي يعكس احترام الجامعات لمسيرة الباحثين، وإيمانها بأن الجهد العلمي لا يسقط برحيل صاحبه.
وفي السياق العربي، تعود إلى الواجهة قصة الأديب والناقد الدكتور سعيد السريحي، التي ظلت واحدة من أكثر القضايا الأكاديمية إثارة للنقاش. فلم تكن حياة السريحي مجرد مسيرة أدبية وثقافية ثرية، بل كانت أيضًا رحلة من الأسئلة المفتوحة، في مقدمتها قضية حرمانه من شهادة الدكتوراه التي أثارت جدلًا واسعًا في وقتها. فقد أكد في لقاء إعلامي سابق أن رسالته العلمية أُقرت من اللجان الأكاديمية المختصة، وظهر اسمه ضمن كشوفات الخريجين، قبل أن يصدر قرار لاحق بعدم منحه الدرجة، وهو قرار قال إنه لم تُوضَّح أسبابه بشكل كافٍ، مطالبًا حينها بإيضاح ما وُصف بـ«المخالفات العقائدية» التي قيل إنها سبب القرار، وهي قضية بقيت حاضرة في سيرته الفكرية حتى سنواته الأخيرة.
إن التجارب العالمية في منح الشهادات بعد الوفاة تطرح اليوم تساؤلًا مشروعًا يتردد في الأوساط الثقافية والأكاديمية: هل يمكن أن تُعيد جامعة أم القرى النظر في ملف السريحي، وتمنحه الدرجة العلمية التي ارتبطت باسمه طويلًا، بوصفها تكريمًا لمسيرته العلمية والثقافية؟
قد لا يغيّر هذا القرار – إن حدث – شيئًا من القيمة الفكرية التي تركها السريحي في المكتبة العربية، لكنه سيحمل دلالة رمزية وأكاديمية كبيرة، مفادها أن الاعتراف بالجهد العلمي قد يتأخر أحيانًا، لكنه يظل ممكنًا حين تتقدم المؤسسات بروح العدالة العلمية والإنصاف التاريخي.
ومن هذا المنبر، تأمل صحيفة مكة الإلكترونية من معالي وزير التعليم الأستاذ يوسف البنيان إعادة النظر في موضوع منح الفقيد الراحل الأديب سعيد السريحي الدرجة العلمية، تقديرًا لجهوده الأدبية وإسهاماته الوطنية بوصفه أحد أبرز كتّاب الرأي ورواد الثقافة في الوطن، بما يعكس قيمة الوفاء العلمي والإنصاف الأكاديمي لمسيرة ثقافية أثرت المشهد الفكري العربي لعقود طويلة.






