في ظل التسارع المتنامي للتحول الرقمي، يبرز الترميز العقاري كأحد أبرز الابتكارات الحديثة التي تمزج بين متانة الأصول العقارية التقليدية ومرونة التقنيات الرقمية المتقدمة، وفي مقدمتها تقنية سلسلة الكتل (Blockchain). ويقصد بالترميز العقاري تحويل الأصل العقاري المادي، كالمباني السكنية أو التجارية، إلى رموز رقمية مسجلة على شبكة رقمية آمنة ولا مركزية، بحيث يمثل كل رمز حصة مشاعة من العقار، بما يتيح للمستثمرين امتلاك جزء من الأصل دون الحاجة إلى شرائه كاملًا، في نموذج استثماري جديد يشبه تقسيم العقار الواحد إلى وحدات رقمية صغيرة قابلة للتداول.
وتُعد تقنية البلوك تشين سجلًا رقميًا مشتركًا يُخزن البيانات في كتل مترابطة ومشفرة زمنيًا، بما يوفر مستويات عالية من الأمان والشفافية، ويجعل التلاعب أو التزوير شبه مستحيل بعد تسجيل المعاملات، كما يقلل الاعتماد على الوسطاء التقليديين. ويمنح هذا الإطار التقني الاستثمار العقاري بُعدًا جديدًا من حيث الكفاءة وسرعة الإنجاز ووضوح الملكيات.
ويمثل الترميز العقاري تحولًا جذريًا في مفهوم الاستثمار، إذ يتيح دخول السوق العقاري بمبالغ تبدأ من آلاف الريالات بدلًا من الحاجة إلى رؤوس أموال ضخمة، مما يفتح المجال أمام شرائح أوسع من المجتمع، لا سيما الشباب وصغار المستثمرين، للمشاركة في سوق طالما ارتبط بارتفاع تكلفة الدخول وضعف السيولة. كما يسهم هذا النموذج في تحسين قابلية التداول وزيادة مرونة التخارج الاستثماري.
وفي هذا السياق، تقود المملكة العربية السعودية هذا التحول بخطوات تنظيمية محسوبة، حيث تستعد لإطلاق مرحلة واسعة النطاق للترميز العقاري في يونيو 2026، بعد نجاح التجربة ضمن البيئة التنظيمية التجريبية التابعة للهيئة العامة للعقار. وقد أعلن المهندس عبدالله بن سعود الحماد، الرئيس التنفيذي للهيئة، عن ترخيص تسع شركات معتمدة لتقديم خدمات الترميز العقاري، إضافة إلى إتمام أول عملية ترميز رسمية في عام 2025 تحت رعاية معالي وزير الشؤون البلدية والقروية والإسكان، في خطوة تعكس جدية التوجه نحو بناء سوق عقاري رقمي منضبط.
ويتيح الترميز تقسيم العقارات إلى حصص رقمية دقيقة مسجلة في سجل دائم لا يقبل التلاعب، بما يحقق للمستثمرين ملكية حقيقية مشاعة مدعومة بصك رسمي مرتبط بالسجل العقاري، إلى جانب سيولة أعلى من خلال تداول الرموز إلكترونيًا ضمن أطر منظمة، فضلًا عن الاستفادة من عوائد الإيجارات أو ارتفاع قيمة الأصل على المدى الطويل. ويسهم هذا النموذج في معالجة عدد من التحديات المزمنة في السوق العقاري التقليدي، وفي مقدمتها ارتفاع رأس المال المطلوب وصعوبة وصول المستثمرين الأفراد إلى الفرص النوعية.
ويعزز الاعتماد على بنية تقنية قائمة على الشفافية من مستوى الحوكمة في القطاع العقاري، حيث يتيح توثيق جميع المعاملات وتوزيع العوائد بدقة ووضوح، مما يقلل النزاعات ويرفع مستوى الإفصاح، ويتناغم مع توجه الهيئة العامة للعقار نحو بناء سوق موثوق وجاذب للاستثمار المحلي والدولي، قائم على الثقة وحماية الحقوق.
وقد اختارت المملكة نهجًا مرحليًا متوازنًا لضمان نجاح التجربة، يبدأ بالاختبار في البيئة التنظيمية التجريبية، ثم الانتقال إلى الإطلاق الواسع بضوابط واضحة تشمل التقييم العقاري المعتمد، والربط المباشر بالسجل العقاري، ووضع معايير فنية وطنية تضمن التكامل مع البنية التحتية الرقمية والمصرفية. ويجعل هذا النهج السعودية في موقع ريادي عالمي في تنظيم الأصول العقارية الرقمية قبل التوسع الكامل في السوق.
ومن الجانب الشرعي، يحظى الترميز العقاري بقبول متى ما التزم بضوابط فقهية واضحة، من أبرزها أن تمثل الرموز حصصًا مشاعة في أعيان حقيقية، وأن تكون العوائد ناتجة عن إيجار فعلي أو منفعة مشروعة، مع ضبط آليات التداول لتجنب الغرر والمضاربة الصورية، ووجود إشراف شرعي مستمر على الهياكل الاستثمارية. ويعزز هذا التوافق بين الابتكار الرقمي والثوابت الشرعية ثقة المستثمرين المحليين والإقليميين، ويمنح السوق السعودي ميزة تنافسية فريدة.
وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، يسهم الترميز العقاري في تعميق السوق وجذب الاستثمارات، وتمكين الشباب والطبقة المتوسطة من أدوات استثمار ميسرة، ودعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 في التحول الرقمي وتنويع مصادر الدخل وزيادة السيولة العقارية، إلى جانب الحد من المضاربات غير المنظمة وتشجيع الاستثمار طويل الأجل.
ومع ما يحمله هذا التحول من فرص واعدة، يبقى نجاح الترميز العقاري مرهونًا بتطوير الأطر التنظيمية بشكل مستمر، ورفع الوعي الاستثماري والتقني لدى المجتمع، وضمان استخدام التقنية كوسيلة تمكين لا كمصدر لمخاطر أو تعقيد غير محسوب.
وفي الختام، فإن الترميز العقاري في السعودية لا يمثل مجرد تقنية حديثة، بل يشكل تحولًا هيكليًا في مفهوم تملك الأصول العقارية وتداولها، يجمع بين الابتكار الرقمي، والحوكمة المتقدمة، والامتثال الشرعي. وإذا ما أُحسن تنظيمه وإدارته، فإنه سيكون علامة فارقة في تاريخ السوق العقاري السعودي، ونموذجًا يحتذى به إقليميًا وعالميًا، يعزز مكانة المملكة كوجهة استثمارية رائدة في العص

