المقالات

الاعتداء في دعاء قنوت وتر صلاة التراويح

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أطلّ علينا شهر رمضان المبارك، ونسأل الله العلي القدير أن يعيننا على صيامه وقيامه، وأن يتقبل منا صالح الأعمال فيه، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.

لا شك أن صلاة التراويح من سنن نبي الهدى صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف العلماء في عدد ركعاتها، إلا أنها مثنى، ثم تُختم بصلاة الوتر. وصلاة الوتر سنة مؤكدة، يُستحب فيها القنوت بالدعاء، ويرى كثير من أهل العلم أنه لا ينبغي المداومة عليه حتى لا يظن الناس أنه من واجبات صلاة الوتر. وقد ورد في السنة ما ينبغي قوله في دعاء القنوت فيما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم الحسن بن علي رضي الله عنهما أن يقول في دعاء الوتر:
«اللهم اهدِنا فيمن هديت، وعافِنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وقِنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت».

وهذا الدعاء لا يأخذ أكثر من نصف دقيقة، ويُستحب ـ كما ذكر بعض أهل العلم ـ أن يضيف الإمام بعضًا من الأدعية التي تحمل جوامع الكلم، كما ذكر ذلك الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، حيث قال: إن الصحيح عدم الإطالة في الدعاء؛ لأن الإطالة قد تشق على المصلين، فإن منهم الضعيف، وصاحب الحاجة الملحة، والذي لا يريد أن يخرج قبل فراغ الإمام من صلاته ليُكتب له قيام ليلة، كما ورد ذلك في الحديث الصحيح: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة». ويرى الشيخ يوسف الخميس كراهية الخروج عن دعاء الحسن رضي الله عنه. وقد ورد عن التابعي الجليل الإمام النخعي رحمه الله أنه قال عن مقدار دعاء القنوت: إنه ينبغي أن يكون بقدر تلاوة سورة البروج.

ويرى بعض العلماء المعاصرين أن ما يحدث في دعاء القنوت في معظم المساجد هو نوع من الاعتداء في الدعاء، بناءً على قول الله عز وجل في كتابه الكريم: «ادعوا ربكم تضرعًا وخفية، إنه لا يحب المعتدين». وقد ورد عن إمام التفسير ابن جريج رحمه الله في تفسير معنى الاعتداء في الدعاء أنه قال: كراهية الاعتداء في الدعاء، ويؤمر الإنسان بالتضرع والاستكانة.

وقد امتدح الله جل وعلا عبده زكريا بقوله: «وزكريا إذ نادى ربه نداءً خفيًا». وقد ورد في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكانوا يهللون ويكبرون ويرفعون أصواتهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا». وقال ابن تيمية رحمه الله: إن الاعتداء في الدعاء يكون بسؤال ما لا يجوز، وتارة برفع الصوت والصياح، وتارة بالتكلف.

ولعل ما نراه ونسمعه الآن في قنوات التلفاز من دعاء بعض الأئمة في قنوت الوتر يؤكد نبوءة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الألباني، حيث قال: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور». فقد أصبحت الإطالة في الدعاء، بالإضافة إلى رفع الصوت بالصراخ والنحيب، وكل هذه الأمور لم تكن معروفة في عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد صحابته رضوان الله عليهم أجمعين.

ويقول فضيلة الشيخ سعد الخثلان: إن رفع الصوت بالدعاء والصياح يؤثر على صحة الصلاة، ومدعاة للرياء، ولاحظ الشيخ أن هناك أئمة يجهشون بالبكاء في وقت ينبغي فيه للإمام أن يكتم بكاءه. ويقول فضيلة الشيخ سعد الحميد: إن بعض الأئمة يحوّل دعاءه في قنوت الوتر وكأنه موعظة، ويهيّج الناس وكأنه يقول لهم: ابكوا حتى يتلذذ ببكائهم، الأمر الذي يدعو إلى الشك في إخلاصه لله، ويستطرد في خطابه ويقول: أترضى ـ يا هذا الإمام ـ أن يأتي بك إلى الله ويفضحك أمام رؤوس الأشهاد، ويقال عنك: هذا مراءٍ؟

ثم تطرق فضيلته إلى دعاء ختم القرآن في آخر شهر رمضان، والذي يأخذ قرابة النصف ساعة، وأنه كان من الخطأ البناء على مشروعيته من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عندما كان يجمع أهله ويدعو بهم بعد الانتهاء من ختم القرآن؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو فعل موقوف عليه رضي الله عنه، وكان هذا الدعاء خارج الصلاة.

وأختم: إنه من الغريب جدًا أن يتم الاعتداء في الدعاء برفع الصوت والنواح من قِبل أناس طالما حاربوا الابتداع في الدين، وأنكروا على الفِرق الأخرى التي تصرخ وتلطم أثناء أدائهم لطقوسهم الدينية.

أ.د. حسني بن أحمد مؤذن

أستاذ متقاعد من جامعة ام القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى