بقلوبٍ يعتصرها الحزن، ونفوسٍ راضية بقضاء الله وقدره، نودّع رجلًا لم يكن عابرًا في حياة الناس، ولا عاديًا في مسيرته، بل كان قيمةً إنسانيةً ووطنيةً عالية، ورمزًا من رموز الإخلاص والعطاء. نودّع معالي الشيخ محمد بن عبدالله السويلم (أبو مشاري)، رئيس شؤون المواطنين بالديوان الملكي سابقا ، الذي انتقل إلى جوار ربه بعد أن أفنى عمره في خدمة الوطن وأبنائه، تاركًا خلفه أثرًا لا يُمحى، وسيرةً نقيّة تشهد له في حياته وبعد رحيله.
رحل أبو مشاري جسدًا، لكن حضوره باقٍ في القلوب، وأثره حيّ في ذاكرة كل من عرفه أو طرق بابه أو لمس صدقه. كان رجلًا اجتمعت فيه صفات قلّ أن تجتمع؛ صدقٌ لا يعرف المساومة، وأمانةٌ لا تقبل التفريط، وتواضعٌ يسبق المنصب ولا يتأخر عنه. لم يكن المنصب يومًا غايةً عنده، بل وسيلةً لخدمة الناس، ومسؤوليةً حملها بإحساسٍ عميق، وإيمانٍ صادق بأن خدمة المواطن هي جوهر العمل العام وروحه.
عرفه المواطنون قبل المسؤولين، وعرفه المحتاجون قبل أصحاب النفوذ، رجلًا قريبًا من الناس، يسمع لهم بإنصات، ويتعامل مع قضاياهم بجدية، ويشعر بآلامهم كأنها آلامه. لم يكن يملّ من المتابعة، ولا يضيق بتكرار المراجعين، بل كان يرى في كل قضية أمانة، وفي كل صوت مسؤولية، وفي كل مظلمة واجبًا لا يقبل التأجيل. سعى بجهدٍ صادق إلى أن يكون همّ المواطن حاضرًا، وصوته مسموعًا، وحقه محفوظًا.
وكان – رحمه الله – حريصًا أشد الحرص على التواصل المستمر مع الجهات المعنية والمسؤولين في مختلف القطاعات، لا طلبًا للثناء، ولا بحثًا عن حضورٍ إعلامي ولا بحث عن مثلة خاصة ، بل إيمانًا بأن التكامل بين الجهات هو الطريق الأقصر لخدمة الناس، وأن المسؤولية المشتركة لا تكتمل إلا بالتعاون الصادق. كان يتابع، ويسأل، ويذكّر، ويطرق الأبواب بهدوء الواثق، وصدق المخلص، وحرص من يرى أن التقصير في حق المواطن تقصير لا يُغتفر.
وفي الوقت ذاته، كان أبو مشاري مثالًا نادرًا في الوفاء لقيادة هذا الوطن، صادق الانتماء، عميق الولاء، يعمل بمحبةٍ خالصة، ويؤمن إيمانًا راسخًا بأن تماسك الوطن وقوته تنبع من العلاقة المتينة بين القيادة والمواطن. لذلك حمل صوت المواطن إلى القيادة بكل أمانة، ونقل همومه بصدق، دون تزييفٍ أو مبالغة، مستشعرًا عِظم الثقة التي أوكلت إليه، ومدركًا أن الكلمة الصادقة مسؤولية، وأن الأمانة لا تحتمل المجاملة.
لم يكن – رحمه الله – مسؤولًا فحسب، بل كان أخًا لكل من قصده، وناصحًا لمن احتاج المشورة، وملجأً لمن ضاقت به السبل. اتسم بحسن الخلق، وطيب المعشر، وبساطة الحديث، ورقي التعامل. كان بابه مفتوحًا، ووجهه بشوشًا، وكلمته طيبة، وقلبه واسعًا يتسع للجميع، يستمع قبل أن يحكم، ويفهم قبل أن يقرّر، ويعمل بصمتٍ أكثر مما يتحدث.
برحيله، فقد الوطن رجلًا من رجالاته المخلصين، وخسرت الإدارة العامة قامةً إنسانيةً نادرة، وخسر كثير من الناس سندًا كانوا يجدونه حاضرًا في أوقات الشدة. غير أن العزاء كل العزاء في أن ما زرعه من خير، وما بذله من جهد، وما خلّفه من أثرٍ طيب، سيبقى شاهدًا له، وذكرى حسنة تتناقلها الألسن، ودعواتٍ صادقة ترفعها القلوب، وصدقةً جاريةً بإذن الله.
وإنّا إذ نودّعه، فإننا نتقدّم بأصدق العزاء والمواساة إلى أبنائه الكرام، الذين فقدوا أبًا عظيمًا، ومربيًا فاضلًا، وقدوةً صادقة في القول والعمل. نسأل الله أن يجبر مصابهم، وأن يعوضهم عن فقده خير العوض، وأن يجعل ما أصابهم رفعةً في الدرجات، وتكفيرًا للسيئات، وأن يربط على قلوبهم بالصبر والاحتساب.
كما نعزّي محبيه وكل من عرفه وتعامل معه، فقد كان فقيدًا للجميع، ولم تكن خسارته مقتصرة على أسرته وحدها، بل امتد أثرها إلى كل قلبٍ عرف صدقه، وكل نفسٍ لمست نُبله، وكل إنسانٍ وجد فيه مثال المسؤول الأمين والإنسان القريب.
ونسأل الله جلّ وعلا أن يجعل في ذريته القدوة الصالحة، وأن يبارك في أبنائه وبناته، وأن يسيروا على نهجه في الصدق، والأمانة، وحب الخير، وخدمة الناس، ليبقى أثره ومأثره حيّين فيهم، شاهدين على حسن تربيته، وطيب سيرته، وامتدادًا لذكره الطيب وسيرته المشرفة في الدنيا.
رحم الله الشيخ محمد بن عبدالله السويلم رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن ما قدّم لوطنه ومواطنيه خير الجزاء، وألهم أبناءه وأهله ومحبيه الصبر والسلوان، وجعل ذكره باقٍ في القلوب، وأثره ممتدًا في العمل الصالح.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.



