بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ونفوس يعتصرها الحزن والأسى، نودّع اليوم قامة وطنية ورجلًا من رجالات الدولة المخلصين، الفريق أول سعيد القحطاني، أبو طارق، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه لوطنه ودينه في ميزان حسناته. رحل جسدًا، وبقي أثره حاضرًا في الذاكرة، ثابتًا في القلوب، وشاهدًا على سيرة رجل عاش شريفًا ومات كريمًا.
لقد كان الفقيد مثالًا نادرًا للرجل الذي جمع بين الحزم والإنسانية، وبين الانضباط العسكري وسمو الأخلاق، وبين قوة القرار وصدق النية. عرفته عن قرب خلال فترة عملي وكيلًا لإمارة منطقة مكة المكرمة، فوجدت فيه السند الصادق، والأخ الكبير، والقائد الذي لا يبخل برأي ولا دعم، ولا يتردد في تحمّل المسؤولية مهما عظمت التحديات. كانت علاقتي به علاقة عمل امتزجت بالاحترام العميق والثقة المتبادلة، حتى أصبحت أخوة صادقة عزّزتها المواقف قبل الكلمات.
وفي مواسم الحج والعمرة، حيث تتضاعف المسؤوليات، وتشتد الضغوط، وتتعاظم التحديات، كان أبو طارق حاضرًا بعقله وقلبه قبل موقعه. رأيت فيه رجل الأمن الذي يدرك قدسية المكان وعظمة الزمان، ويعي أن خدمة ضيوف الرحمن شرف قبل أن تكون مهمة. لم يكن يتعامل مع تلك المواسم كواجب وظيفي فحسب، بل كرسالة يؤديها بإخلاص، وعبادة يتقرب بها إلى الله. كان دعمه لنا لا يقتصر على التوجيه أو المتابعة، بل يمتد إلى التحفيز، ورفع المعنويات، وبث روح الطمأنينة في أصعب اللحظات.
ما زلت أذكر مواقفه النبيلة حين كانت الأمور تستدعي قرارات حاسمة وسريعة، فكان ثابتًا لا يتردد، حكيمًا لا يتهور، يستند إلى خبرة طويلة، وإلى إيمان عميق بأن أمن الحرمين وخدمة قاصديهما أمانة كبرى. كان حضوره في الميدان يبعث على الثقة، ويمنح الجميع شعورًا بأن الأمور تحت السيطرة، وأن هناك قائدًا يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه.
ولم يكن أبو طارق قائدًا في العمل فقط، بل كان قدوة حسنة لرجال الأمن في سلوكه، وهيبته، وشكله العسكري المنضبط. كان مثالًا للالتزام والدقة والاحترام، يبدأ بنفسه قبل أن يطالب غيره، ويجسّد في مظهره وتصرفاته صورة رجل الأمن الذي يشرّف بزّته، ويعكس من خلالها قيم الانضباط والجدية والمسؤولية. وقد ترك ذلك أثرًا عميقًا في نفوس من عملوا معه، فكانوا يرون فيه النموذج الذي يُحتذى، لا بالأوامر، بل بالفعل.
أما على المستوى الإنساني، فقد كان رحمه الله قريبًا من الناس، حسن الاستماع، طيب المعشر، لا يتعالى بمنصبه، ولا يتغيّر بتبدّل الظروف. كان يعرف متى يكون صارمًا، ومتى يكون رحيمًا، ويوازن بين مقتضيات النظام ومراعاة الإنسان. وهذا ما جعله محل تقدير واحترام كل من عرفه أو تعامل معه، سواء من زملائه أو مرؤوسيه أو شركائه في العمل.
إن فقدان الفريق أول سعيد القحطاني ليس خسارة لأسرته ومحبيه فحسب، بل هو خسارة للوطن، وللمؤسسة الأمنية، ولكل من عرف معنى القيادة الحقيقية من خلاله. فقد رحل رجل أدّى الأمانة، وأخلص في العمل، وترك سيرة طيبة تشهد له، وتاريخًا مشرفًا يخلده.
وإني، إذ أنعاه اليوم، أنعاه وأنا أشهد الله على ما عرفته فيه من صدق وإخلاص ونبل، وأسأل الله أن يجزيه عنا وعن الوطن خير الجزاء، وأن يجعل كل جهد بذله، وكل ساعة سهرها، وكل قرار اتخذه في خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، نورًا له في قبره، ورفعة في درجاته.
رحمك الله يا أبا طارق، وغفر لك، وجعل مثواك الجنة، وألهم أهلك ومحبيك الصبر والسلوان ، و بارك في ذريتك .
ستبقى ذكراك حيّة، وسيرتك نبراسًا، ودعاؤنا لك لا ينقطع، فهكذا هم الرجال العظام، يرحلون، لكن آثارهم لا ترحل ،

