المقالات

الثقافة حين تصبح لقافة

لم يكن مقال الزميلة بصحيفة صحيفة مكة الإلكترونية الدكتورة أمل حمدان بعنوان «أعيدوا لنا جوهر الثقافة» بياناً ضد أحد، ولا طعناً في مؤسسة، ولا تقليلاً من جهد، بل كان محاولة لإيقاظ سؤال مشروع: هل ما نراه حراكاً ثقافياً هو أثر حقيقي أم مجرد ازدحام أضواء؟ غير أن بعض الردود التي انبرت لمهاجمته بدت وكأنها لم تقرأ النص بقدر ما قرأت ما تريد أن تقرأه فيه. وحين يتحول النقد العام إلى معركة شخصية، فالمشكلة لا تكون في المقال، بل في حساسية من ظنوا أن كل مرآة تُرفع إنما تقصد وجوههم تحديداً. لو كانت الردود في حدود النقد؛ فهذا حق مشروع للجميع ويبقى الاختلاف ظاهرة صحية؛ لكن أغلب ما كتب لم يكن كذلك، بل كان اتهامات صريحة، وبعضها أقرب إلى تحريض مؤسسات بعينها على الكاتبة، في انزلاق خطير من مناقشة الفكرة إلى استهداف صاحبها.

الثقافة التي تخاف من السؤال ثقافة هشة، والمشروع الذي يرتبك من ملاحظة عامة مشروع لم يطمئن بعد إلى صلابته. أما الذين سارعوا إلى تفسير الكلام على أنه استهداف لجهات بعينها، فقد قدموا مثالاً حياً على ما كان المقال يحذر منه: تحويل النقاش الفكري إلى اصطفاف، وتحويل الرأي إلى تهمة. فمن كان واثقاً من جودة ما يقدم، لا يستفزه حديث عن الجودة، ومن كان مطمئناً إلى أثره، لا يزعجه سؤال عن الأثر.

اللافت أن معظم الانتقادات لم تصدر عن مسؤولين في مؤسسات ثقافية، ولا عن رموز يُشار إليها بالبنان في المشهد الثقافي؛ ولذلك جاءت مشحونة بنبرة لا تشبه دفاعاً عن الثقافة بقدر ما تشبه تصفية حسابات مؤجلة. وكأن المقال لم يُقرأ كفكرة بل كفرصة؛ فرصة لإعادة فتح خلاف قديم، أو لإثبات موقف شخصي، أو لإيصال رسالة لا علاقة لها بجوهر الطرح. وحين يختلط الشخصي بالعام، يصبح الضجيج أعلى من الفكرة، وتضيع القضية بين رغبة في الرد ورغبة في الرد على الرد. ليس من الحكمة أن نختزل أي نقد في نوايا صاحبه، ولا أن نحاكم الرأي عبر علاقاتنا بأصحابه. فالمقال تحدث عن ظواهر، عن سباق الكم، عن تضخم الفعاليات، عن غياب التقييم، ولم يشر بإصبع إلى أحد. لكن يبدو أن بعض الأصابع ارتفعت من تلقاء نفسها، وكأنها تعترف بما لم يُذكر. وهنا تكمن المفارقة: من اتهم الكاتبة بالتقليل من الثقافة، كان أول من ضيّق مفهوم الثقافة إلى دائرة الولاء أو الصمت.

الثقافة الحقيقية لا تُحمى بالصراخ، ولا تُصان بتخوين المختلف، ولا تُدار بعقلية الحشود. هي مساحة حوار، ومجال مراجعة، ومنبر نقد. وإذا كان كل صوت يطالب بالجودة سيُتهم بأنه يقلل من الجهود، فسوف نصل إلى مرحلة يصبح فيها التصفيق هو المعيار الوحيد للقبول، ويُعتبر التفكير فعلاً عدائياً. قد يكون من الأسهل أن نهاجم بدل أن نتأمل، وأن نفسر الكلام على أنه طعنة بدل أن نسأل: هل فيه شيء من الحقيقة؟ لكن الساحة التي لا تحتمل سؤالاً صريحاً، لن تحتمل مستقبلاً صادقاً. ومن أراد للثقافة أن تبقى حية، فعليه أن يتقبل أن فيها من يراجع ويختلف وينتقد، لا أن يطالب الجميع بالوقوف في صف واحد خلف صورة براقة.

وفي الختام، لعلنا نتفق أن الثقافة إن لم تُصن بالوعي والاتزان، تحوّلت من رسالة تنوير إلى هواية تدخّل، ومن مشروع وعي إلى منصّة وصاية؛ وعندها فقط لا تعود ثقافة تُرتقى بها العقول، بل لقافة تُستعرض بها العضلات.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى