
يتجاوز النقاش حول العلوم الإنسانية حدوده الأكاديمية ليطرح سؤالًا يتصل بطبيعة التقدم وحدوده: أيُّ صورة نريد أن يتشكل عليها الإنسان في زمن تتسارع فيه التحولات؟ لم تعد القضية مرتبطة بتخصصات دراسية بقدر ما أصبحت متصلة بتعريف المعرفة ذات القيمة والمعايير التي يُقاس بها أثرها. والمشكلة هنا ليست في هذه التخصصات، بل في المعايير التي يُحكم بها عليها.
يتقدم اليوم منطق يربط قيمة التخصصات بقدرتها على إنتاج عائد مباشر واتصالها بسوق العمل، في ظل ضغوط التمويل والتصنيفات العالمية وتصاعد خطاب الكفاءة والإنتاجية. تبدو هذه المقاربة منسجمة مع متطلبات المرحلة، لكنها تعيد تعريف المعرفة ضمن أفق ضيق، وتختزل وظيفة الجامعة في إنتاج مخرجات وظيفية مباشرة لا تعكس طبيعتها المركبة.
تعزيز التخصصات التقنية والتطبيقية ضرورة يفرضها الواقع، غير أن هذه الضرورة تفقد توازنها حين تتحول إلى إزاحة لما سواها؛ فالتقدم لا يُقاس بحجم الأدوات، بل بقدرتنا على توجيهها، ولا تُبنى الحضارات بالمهارة وحدها، بل بما يسبقها من تأسيس معرفي يحدد غاياتها ويضبط مسارها. وهنا تتجلى الحاجة إلى حقل يعالج المعنى قبل توظيفه.
تؤدي العلوم الإنسانية هذا الدور؛ ففيها يتشكل الفهم وتنمو القدرة على التأويل، وتُبنى اللغة التي يقرأ بها المجتمع تجربته. ومن خلالها تُصان الذاكرة، ويُفسَّر الحاضر، وينفتح المستقبل على خيارات واعية. وعند تراجعها، لا يظهر الأثر في المؤشرات المباشرة، بل في ضعف الحكم واضطراب التقدير وتراجع القدرة على التمييز في لحظات التعقيد.
ولا يتعلق التحدي بالدفاع عن هذه العلوم بقدر ما يرتبط بإعادة تفعيلها داخل سياق التحول؛ فقيمتها لا تُستمد من الماضي، بل من قدرتها على إعادة بنائه في صورة معرفة فاعلة. فالتراث لا يُستعاد، بل يُقرأ ويُعاد تشكيله في ضوء أسئلة الحاضر، وبذلك تتحول هذه العلوم من حفظ الذاكرة إلى إنتاج الوعي.
تتضح أهمية ذلك مع تسارع التحولات التقنية؛ فالتقنية توسّع نطاق الممكن، لكنها لا تحدد وجهته. ما ينبغي فعله لا تحدده الأدوات وحدها، بل المعرفة التي تضبط استخدامها، عبر رؤى تربط الإمكان بغاياته وتضع حدودًا للفعل الإنساني. ولهذا، فإن امتلاك المهارة لا يكفي ما لم يصحبه فهم يوجّهها.
وفي سياق الانفتاح العالمي، تمكّن هذه العلوم المجتمع من فهم موقعه والمشاركة في العالم دون فقد توازنه؛ فالخصوصية ليست انغلاقًا، بل شرطًا للمشاركة الواعية.
وتتضح حدة الإشكال في موقعها داخل الجامعة؛ فالمسألة ليست ضعف هذه التخصصات، بل سوء تصنيفها. إذ يُتعامل معها كمسارات مهنية مباشرة، بينما تنتمي إلى مجال التكوين المعرفي الذي تُبنى عليه المهن. فالقاضي لا يكفيه حفظ النصوص، والطبيب لا تكتمل كفاءته بالمهارة التقنية دون وعي بالسياق الإنساني.
ومن نتائج هذا الخلط أن المهارات المطلوبة اليوم تُطلب بوصفها مخرجات مباشرة، بينما هي في حقيقتها ثمرة بيئة معرفية تُبنى فيها القدرة على الفهم قبل الأداء. وهذه البيئة هي التي تمكّن الفرد من الاستمرار في عالم متغير.
ولا يقتضي ذلك الإبقاء على هذه التخصصات بصيغتها التقليدية، بل إعادة تنظيم حضورها داخل الجامعة لتتقاطع مع مختلف المسارات وتدخل في تكوين جميع الطلبة بوصفها مكونًا معرفيًا ممتدًا. وعند هذا المستوى تتحول من عبء محتمل إلى ركيزة في بناء الكفاءة الشاملة.
ومع ضعف هذا الحضور، لا يقتصر الأثر على الجامعة، بل يطال فهم الواقع؛ إذ تُستورد المفاهيم وتُستعاد النماذج دون تمحيص، بينما تغيب المعرفة التي تضبط استخدامها.
يتجاوز أثر هذا الخلل حدود التخصصات ليصل إلى التوازن المعرفي داخل المجتمع؛ فإتقان العمل لا يكفي ما لم يُفهم معناه ويُقرأ ضمن سياقه الأوسع، وهذا لا ينتج عن التدريب وحده، بل عن تأسيس معرفي أعمق.
إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية ليست مقاومة للتحول، بل شرطًا لتصحيحه.
وعليه، فإن ما يجري اليوم لا يتعلق بإعادة هيكلة و تنظيم البرامج، بل بإعادة تعريف وظيفة الجامعة وحدود دورها. فالجامعة التي تُقاس بقدرتها على التوظيف فقط تفقد قدرتها على إنتاج الفهم، واختزال هذه التخصصات في معيار العائد السريع لا يعيد ترتيبها، بل يختزل الجامعة في وظيفة لا تعبّر عن طبيعتها.
والأخطر من ذلك أنه يضعف قدرة المجتمع على الحفاظ على خصوصيته الثقافية وصيانة تراثه؛ إذ لا تُصان الهوية بالأدوات وحدها، بل بالمعرفة التي تمنحها معناها وتضمن استمراريتها.
أستاذ القيادة التربوية
المدير العام للتعليم بمنطقة مكة الأسبق
# إعادة هيكلة _ العلوم_الإنسانية






