تتعامل المملكة العربية السعودية مع الحرب الحالية -بين كل من إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى – بقدرٍ عالٍ من الحذر الاستراتيجي والاتزان السياسي، واضعةً نصب عينيها هدفًا أساسيًا يتمثل في تجنيب المنطقة مزيدًا من الانزلاق نحو الفوضى، والحفاظ على استقرار الخليج العربي بوصفه شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، وفي هذا الإطار تبنّت سياسة الحياد النشط ،فلا هي انخرطت كطرف مباشر، ولا وقفت موقف المتفرج. بل سعت إلى توظيف ثقلها السياسي والدبلوماسي لاحتواء التصعيد، والدفع نحو حلول تحد من اتساع رقعة المواجهة وهو ما يفسر اتساع الدور السعودي ليشمل محيطه الخليجي ،لا حدوده الوطنية فحسب.
وانطلاقًا من هذا النهج المتزن أثبتت المملكة مرة أخرى أنها ركيزة الاستقرار في الخليج، إذ لم تقتصر رؤيتها على حماية حدودها، إذ لم تقتصر رؤيتها على حماية حدودها ، بل امتدت لتشمل دعم أمن جيرانها. ففي أوقات الأزمات، تتجلى مركزية الدور السعودي من خلال تسهيل حركة الطيران، وتأمين الإمدادات، وتقديم الدعم اللوجستي للدول الخليجية التي قد تتأثر بتداعيات الصراع.
وليس هذا الدور وليد اللحظة ، فقد شهدت المنطقة في أزمات سابقة كيف فتحت المملكة أجواءها ومطاراتها لتيسير حركة الطيران للدول المجاورة، وقدّمت التسهيلات اللازمة لتخفيف آثار الإغلاق أو التهديدات الأمنية، في نهج يعكس استمرارية الرؤية وثباتها في التعامل مع الأزمات.
وإلى جانب ذلك، قدمت المملكة دعمًا لوجستيًا وإنسانيًا يتجاوز حدود الاعتبارات السياسة، حيث تكتلك بنية تحتية متقدمة مكّنتها من أن تكون نقطة ارتكاز لوجستي في المنطقة .ويتجلى ذلك في قدرتها على تأمين إمدادات الغذاء، وتسهيل حركة النقل، ودعم سلاسل الإمداد التي قد تتعطل بفعل التوترات العسكرية، خاصة في مناطق حساسة مثل مضيق هرمز.
وعلى الصعيد السياسي والدولي دعت المملكة إلى احترام القانون الدولي مؤكدة على أهمية الالتزام بمبادئ السيادة وعدم التدخل ، وتفعيل دور المؤسسات الدولية في احتواء النزاعات.
ومن خلال هذا الطرح تسعى إلى إعادة قدر من التوازن للنظام الدولي الذي تهزه الصراعات الكبرى، والدفع إلى حلول قائمة على التهدئة لا التصعيد.
وفي هذا السياق ،دعمت المملكة المساعي التفاوضية التي ترعاها باكستان ، مؤكدةً أهمية إنجاحها كنافذة سياسية لاحتواء التصعيد، وتجسيدًا عمليًا لنهجها القائم على تغليب الحوار والدبلوماسية على منطق الصدام .
وفي ضوء هذه التداعيات ،كشفت الحرب عن الحاجة الملحة لإعادة التفكير في منظومة الأمن الإقليمي بما يدعو إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية. وفي هذا السياق، يبرز الطرح السعودي الداعي إلى بناء تحالفات استراتيجية أكثر تماسكًا، وفي هذا السياق يبرز الطرح السعودي الداعي إلى بناء شركات تقوم على المصالح المشتركة والتنسيق الدفاعي، بما يعزز قدرة دول المنطقة على مواجهة التحديات دون الارتهان الكامل للقوى الخارجية.
ومن هذا المنطلق، تتعزز الدعوة السعودية إلى حوار عربي صريح يعيد بناء الثقة ،ويؤسس لرؤية مشتركة للأمن القومي العربي ، بعيدًا عن الانقسامات التي أضعفت الموقف العربي في مراحل سابقة. ومهدت لتفاقم الأزمات وتعقيدها .
خلاصة القول
في ضوء ما سبق ، تتحرك المملكة العربية السعودية في هذه الأزمة بعقل الدولة لا بردّة الفعل؛ فهي توازن بين حماية مصالحها الوطنية، والقيام بدورها القيادي في محيطها الخليجي والعربي. وبينما تتصاعد أصوات الحرب، تحاول الرياض إبقاء نافذة السياسة مفتوحة، مؤكدة أن الاستقرار ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وجودية للمنطقة بأسرها.
0



