المقالات

مجتمع المهارة أم المعرفة؟… الجامعات بين ضغط السوق والتوازن المعرفي

قراءة في تحولات التعليم العالي بين ضغط السوق وحاجة الإنسان إلى الفهم

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، ومع تصاعد الاهتمام بالتخصصات التطبيقية وسوق العمل، برزت تساؤلات ملحّة حول جدوى بعض التخصصات، وعلى رأسها العلوم الإنسانية. وقد اتجهت بعض المؤسسات الأكاديمية إلى تقليصها أو إلغائها، في خطوة تبدو—ظاهريًا—منسجمة مع متطلبات العصر. لكن السؤال الأعمق يظل قائمًا: هل يمكن لمجتمع أن يكتفي بالمهارات ويستغني عن المعرفة؟

الإجابة، ببساطة لا تحتمل التبسيط.

المهارة تمكّن الإنسان من الأداء، لكنها لا تمنحه بالضرورة الفهم. هي أداة تنفيذ، بينما المعرفة إطار توجيه. فالمبرمج الماهر، والطبيب الحاذق، والمهندس المتقن—جميعهم بحاجة إلى ما يتجاوز حدود التخصص: إلى وعي بالسياق، وإدراك للأثر، وقدرة على التفكير النقدي. هنا تحديدًا تتجلى أهمية العلوم الإنسانية، بوصفها الحاضنة لفهم الإنسان، لا مجرد تدريبه.

إن المجتمعات التي تركّز على المهارة وحدها قد تحقق كفاءة آنية، لكنها تخاطر بفقدان البوصلة على المدى البعيد. فبدون معرفة عميقة بالتاريخ، والهوية، والسلوك الإنساني، يصبح التقدم التقني مهددًا بأن يكون تقدمًا بلا روح، أو إنجازًا بلا معنى. وليس من المبالغة القول إن غياب هذا البعد قد يفتح الباب أمام قرارات سريعة، لكنها قاصرة، أو أمام نجاحات ظاهرها القوة وباطنها الهشاشة.

ولعلّ التجارب الدولية تقدّم دليلًا واضحًا على هذا التوازن. فالدول المتقدمة علميًا، مثل اليابان والصين والولايات المتحدة، لم تُلغِ العلوم الإنسانية رغم اندفاعها نحو التقنية، بل أعادت تنظيمها وربطها باحتياجات العصر. ففي اليابان، ورغم الدعوات إلى مواءمة التعليم مع سوق العمل، ما تزال جامعات عريقة مثل University of Tokyo وKyoto University تحتفظ بحضور قوي للفلسفة والآداب. وفي الصين، تواصل جامعات كبرى مثل Peking University وTsinghua University دعم الدراسات الإنسانية إلى جانب التفوق التقني. أما في الغرب، فلا تزال مؤسسات مثل Harvard University وUniversity of Oxford ترى في العلوم الإنسانية جزءًا لا يتجزأ من تكوين الطالب، حتى في أكثر التخصصات تطبيقية. هذه التجارب لا تلغي المفاضلة، لكنها تؤكد أن الطريق إلى التقدم لا يمر عبر الاستغناء، بل عبر التكامل.

العلوم الإنسانية لا تُعلّمنا كيف نعمل فقط، بل كيف نفهم، وكيف نُقدّر، وكيف نختلف. هي التي تصقل اللغة، وتدرّب العقل على التحليل، وتمنح الإنسان القدرة على رؤية ما وراء الظواهر. وفي عالم تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، والتقنية بالأخلاق، يصبح هذا النوع من الوعي ضرورة لا ترفًا.

لا يعني ذلك التقليل من أهمية المهارات، بل على العكس، فهي عصب التنمية الحديثة. لكن الخطأ يكمن في طرح المسألة كخيارٍ ثنائي: إما مهارة أو معرفة. فالتجارب العالمية الرائدة لم تنجح لأنها اختارت أحدهما، بل لأنها أدركت أن التقدم الحقيقي يقوم على تكامل الاثنين.

إن إعادة النظر في موقع العلوم الإنسانية داخل المنظومة التعليمية أمر مشروع، لكن إقصاءها بالكامل يحمل مجازفة فكرية وثقافية. فالمجتمع الذي يبني أبناءه على الكفاءة وحدها، دون وعي، يشبه من يشيد بناءً متقنًا فوق أرض غير ممهدة.

في النهاية، قد تصنع المهارة إنجازًا، لكن المعرفة وحدها تصنع إنسانًا قادرًا على فهم هذا الإنجاز، وتوجيهه، والحفاظ عليه.

أ.د فتحية بنت حسين عقاب

جامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى