أيّ علاقة قويمة يحتاج الكاتب العربيِّ أن يُنشِئَها مع الذكاء الاصطناعي، ويوطِّدَ أواصرَها يوماً بعد يوم؟
وما الحكمُ عليه إذا ما قدَّم نصّاً آليّاً بقناعٍ إنسانيّ؟
سؤالان وُجِّها لي، يُشكِّلان موضوع هذا المقال.
لأبدأ بالسؤالِ الأوّل. أتحدّثُ هنا عن فرعٍ من الذكاء الاصطناعيّ فقط: «الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ» (مثل تشات جي بي تي وإخوته) الذي انطلق في 30 نوفمبر 2022 كطفلٍ تجريبيٍّ، وأضحى يتطوّر اليوم بسرعة البرق، يُجيب على كلِّ الأسئلة، ويخترع الصور والفيديوهات واللوحات الفنيّة وقصائد الشِّعر أيضاً، ويتناقش مع مستخدِمهِ، كصديقٍ عزيز، حول «المطر والطقس الجميل»، حول كلِّ شيءٍ ولا شيء!
لِنذكِّرَ أوّلاً: «الذكاء الاصطناعي» ابنُ العِلمِ الحديث. لذلك ينبغي، بطبيعة الحال، أن تنضوي علاقةُ الكاتب الوشيجة مع هذا الذكاء الآلي في إطارِ علاقته بالعِلمِ الحديث عموماً؛ وأن تنسجمَ، على نحوٍ تكافليٍّ متناغم، مع مستلزمات عصر الحداثة، وتعقيداته المتصاعِدة، التي تفرض مدَّ الجسور والصلات الوثيقة بين الأدب والعلوم الاجتماعية والعلوم الصلبة، لمقاربة هذه التعقيدات.
في الغرب، يلعبُ العِلمُ الحديث دورَ البوصلة في توجيه تفكير المجتمع وفي إثراء لُغته وتطويرها، بعد أن كانت رايةُ القيادة في هذه المجالات، قبل قرن الأنوار، بيد الدِّين.
ليس غريباً، في ظلِّ ذلك، أن يكون تفسيرُ العِلم للكون والحياة، وتغلغلُه في اللغة، المرجعيّةَ الرئيسة في كلِّ مجالات الثقافة الغربيّة عموماً، والواجهةَ الخلفيّةَ لِلأعمال الروائيّة.
يختلف الأمر في واقعنا العربيّ تماماً بسبب غياب الثقافة العلميّة خاصّةً، وسيادةِ الرؤية الدينيّة للحياة والكون، ورسوخِ الأميّةِ وضعفِ القراءة عموماً؛ وبسبب تقصيرِ المثقفِ والكاتبِ العربيّ في خوضِ صراعِ إرساء وغلغلةِ ثقافة العِلم الحديث في أواصر المجتمع.
بل عدمِ اكتراثِه غالباً بجوهرِها إذا ما اكتفى بالانتماءِ الشكليّ لها، وعدمِ بذل بعضٍ من وقته لِلتشرّبِ من أفكارها الكبرى (التي نمَتْ في تُربةٍ ثقافيِّةٍ لم يتمرّغْ فيها، ولا ينتمي لها)، ولاستيعابِ الحروب الروحيّة والقطيعةِ التي صنعتْها هذه الأفكارُ، طوال قرون، مع رؤيةٍ عتيقةٍ للكونِ والحياة سادتْ قبلها؛ قبل أن تقود اليوم لِعصر الذكاء الاصطناعيّ.
بدأتْ هذه القطيعة في فجر القرن السابع عشر، مع محطِّم الأيقونات الأوّل، غاليلو، وهو يبرهن قانون «سقوط الأجسام»، بتجربته الشهيرة من علياء برج بيزا.
اكتشف الإنسانُ بعدها أن سرعةَ سقوط الأجسام لا علاقة لها بكُتَلِها: في الفراغ، تسقط الريشة وجلمود الصخر بالسرعة نفسها!
بعد ستّ سنواتٍ من ذلك، سلَّط غاليلو نفسُه تلسكوبَه باتجاه السماء، لِيرى عالماً آخر، عبّر عنه برتولد بريخت في بداية مسرحيّتهِ «حياة غاليلو» بهذه العبارة الخالدة: «اليوم، 10 فبراير 1610: تكتب الإنسانية في صحيفتها: تمّ إلغاء السماء» (أي سماء الدِّين، التي تمّ استبدالها بسماء العِلم بعد ذلك)!
تعمّقتْ هذه القطيعةُ مع مُحطِّم أيقوناتٍ آخر، صاحب «نظرية التطوّر والانتقاء»، داروين، الذي كان الاحتفال، طوال عام 2009، بمرورِ قرنٍ ونصف على كتابه المرجعيّ: «أصل الأنواع» وقرنين على ميلاده، في الغرب عموماً، ثريّاً هائلاً بمقامِ داروين، وبمستوى القطيعة المعرفيّة التي جذّرها العِلم الحديث عموماً.
تواصلَ التطوّر في القرن العشرين، حيث تغيّرت رؤية الإنسان لِمفهوم الزمن، وللعلاقة بين الطاقة والمادّة (التي يبلورها قانونٌ ساحرٌ بديعٌ شهير، يربط الطاقة بالكتلة بمربّع سرعة الضوء: E = MC2)، بفضل مُحطِّم الأيقونات الكبير الآخر، اينشتاين.
رافقت كلَّ ذلك دراساتُ تاريخِ اندلاع الكون وسيرورته منذ «البيغ بونغ» قبل 13.8 مليار عام، واكتشافات الميكانيكا الكونتية ومفاجآتها المذهلة الساحرة، وولادة الكمبيوتر والإنترنت…
ثمّ سُمِّي القرنُ الواحد والعشرين: «قرن الدماغ»!
بِفضل عِلمَي الدماغ والكمبيوتر، وُلِدَ أحدُ فروع الذكاء الاصطناعيّ: الذكاءُ الاصطناعيّ الاتصاليّ connexionniste، الابن الواعد لِلعِلمين، الذي أنجب بِدورِه الذكاءَ الاصطناعيّ التوليديّ في 2022.
ينبغي لذلك على الكاتب العربيّ اليوم استيعابُ الخطوط العامّة لعمل الدماغ البشريّ، قبل الحديث عن الذكاء الاصطناعيّ والتنظير عن آفاقه. دون ذلك يبدو حينها وكأنّهُ يتحدّثُ عن الفانوس السحرّي أو ليلة القدر، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال.
إذ من الملاحظ أننا، عربيّاً، لا نضعُ الدماغَ في مركزِ اهتماماتنا ودراساتنا، فيما هو الألفا والأوميجا، الألف والياء.
يحتوي الدماغ على حوالي 86 مليار عصبونٍ (خليّة دماغية)، متخصِّصٍ في استقبال وإرسال المعلومات داخل الجسم.
يتّصلُ كل عصبون بآلاف العصبونات الأخرى عن طريق وصلات تُسمى المشابك العصبية. تستقبل المعلومات في مدخلاتها، تعالجها، وترسلها إلى عصبونات مجاورة.
1.المدخلات: يستقبل العصبون إشارات كهروكيميائية من العصبونات المجاورة.
2.المعالجة: تجمع الإشارات وتقارنها بحدٍّ معين، يُسمّى «حدّ التنشيط».
3.الإخراج: إذا تجاوزت الإشارات هذا الحد، يُرسل العصبون إشارةً إلى عصبونات أخرى.
تتعلّم العصبونات عن طريق تقوية أو إضعاف الاتصالات بين بعضها البعض:
•كلما تكررت الإشارة بين عصبونين، تقوى الصلة بينهما.
•يسمى هذا المفهوم اللدونة العصبونية.
•تسمح هذه الطريقة للدماغ بتعلّم أنماط الأشكال والصور، والتذكّر واتخاذ القرارات…
تتبادل شبكات العصبونات في الدماغ التيارات الكهروكيميائية عند التعلّم والإدراك، وأثناء كلِّ نشاطات الإنسان الروحية (التعرّف على الأشياء، التفكير، اللغة، الذاكرة، المشاعر، الوعي، اللاوعي…).
فالإنسان، كما يعرف الجميع، جسدٌ لا غير، روحُهُ دماغه.
جغرافية الدماغ البشريّ شاسعة، ابنة ملايين السنين من التطوّر الداروينيّ. لِنذكِّرْ مثلاً: المحاور العصبيّة في القشرة الدماغية تتكوّن من 900000 كيلومترٍ من أسلاك مواصلات عصبونيّة مشتبكة تسمح بالتفكير!
للدخول في عصر الذكاء الاصطناعيّ على نحوٍ واثقٍ رصين، يحتاج الكاتب والروائي أوّلاً إلى معرفة ألف باء الخطوط العامّة لِعمل الدماغ وتاريخه التطوّري، وكيف يقود الدماغُ العاطفيُّ الدماغَ العقلانيَّ والجسدَ، ومحلّ الذاكرةِ من الإعراب في هذه المعمعة…
دون ذلك يظلُّ الكاتبُ أسيرَ التفسيرِ الغيبيّ للطبيعة الإنسانية، مؤهّلاً لأن يكون تابعاً لا شريكاً للذكاء الاصطناعيّ.
بعد ذلك، يحتاج الكاتب لاستيعاب مدلول الذكاءِ الاصطناعيّ الاتصاليّ الذي اقتحمَ حياتَنا فعلاً بدءاً من عام 2012، إثر طفرةٍ (أو على الأحرى «قفزةٍ كبرى إلى الأمام»، حسب التعبير الصينيّ!) في أبحاثِ علوم الكمبيوتر، قادتْ إلى تقنيةٍ جوهريّة تُسمّى: «التعلّم العميق بشبكات العصبونات الاصطناعية»، يلزمنا اليوم استنطاق الخطوط الكبرى لآليّة عملِها.
تُحاكي هذه التقنية عملَ عصبونات دماغ الإنسان وهي تُقويّ أو تُضعف اتصالاتها عند التعرّفِ على الصور مثلاً، وعند التعلّمِ عموماً. وتتقدّم اليوم باتجاه الذكاء الاصطناعيّ «الفائق»، الذي سيُغيّر حياتنا عميقاً في السنوات القريبة القادمة، والذي يحتاج الكاتبُ العربيُّ أن يدركَ أبرزَ آفاقِ معالِمه.
عليهِ أخيراً أن يحاولَ تطويرَ معارفِهِ الذاتيّة بالخطوط الرئيسيّة لِعملِ الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ، وتكوينَ فكرةٍ عامةٍ جدّاً عن نموذج ماكينته اللغويّة LLM، ودورِ مدوّنتِه Corpus وطرائقِ تدريبها…
سيسمح له ذلك بتلافي الاستخدام الأعمى لهذا الذكاء المدهش، بِالحوارِ والتفاعلِ المثمرِ معه والتعلّمِ الغزيرِ منه، في مختلف ميادين صناعة المعرفة، تطوير الذات…
لأنّ هذا الذكاء كنزُ معارف ومنجمُ أفكار لمن يعرف كيف يتخاطبُ معه وينهلُ منه، لا سيّما للخبير الذي يجيد «تدريبَ» هذا الذكاء فعلاً ليكون أوسعَ مقدراتٍ وأكثرَ ذكاءً وإبداعاً، وانسجاماً مع مشاريع المستخدِم.
فمن أفضلُ من هذا الرفيق الاصطناعيّ العبقريّ ليس فقط لِترجمة أيّ نصٍّ من أي لغةٍ لأيّ لغة، بل لِمساعدة الإنسان على حلِّ أيّ مسألةٍ أو معضلةٍ معرفيّة، إن لم يكن لِتقديم الحلِّ على صحنٍ من ذهب؟!…
سيجيد الكاتبُ، بعد ذلك أيضاً، معرفةَ أسباب هلوسة الذكاء الآليّ وقصورِه أحياناً، وتلافي الوقوع في مطبّاته ومغبّاته…
بكلمتين: لا يجوز، في تقديري، التنظيرُ الأجوف عن الذكاء الاصطناعيّ أو استخدامُه مهنيّاً دون معرفة ما يعني هذا الذكاء أوّلاً، وما علاقته بالدماغ الإنسانيّ.
ذلك غالباً ما نراه، لِسوء الحظّ، في واقعنا العربيّ حيث تتوالى ليل نهار الندوات حول «الذكاء الاصطناعيّ وأيّ شيء: الرياضة، الرواية، التراث والمعاصرة، الوحدة العربية…»، يُدعى لها من لا ناقة لهم في علومِهِ ولا جمل.
يجازف المدعوّ غالباً بالتنجيم حول ما سيستطيع الذكاءُ الاصطناعيُّ فعلَه مستقبلاً، وما لن يستطيع، دون معرفة شيءٍ تقريباً عن علاقة هذا الذكاء الآليّ بعملِ الدماغ، بل دون معرفة ما يعني الذكاء الاصطناعيّ أساساً، وما هي آفاقه القريبة القادمة!
فيما يتعلّق بالسؤال الثاني لهذا المقال، حول حدود العلاقة بالذكاء الاصطناعيّ عند كتابة رواية، أو عند الكتابة عموماً، ثمّة ملاحظتان جوهريّتان أودّ تقديمهما عبر أمثلة.
إذا كانت سيرورة كتابة الرواية مثلاً لا تختلف في الجوهر عن خوض مباراة شطرنج، كما يرى البعض، فاستخدام الإنسان للذكاء الاصطناعيّ لِتعلُّمِ فنّ اللعب، جيّدٌ بل ضروريٌّ اليوم.
لأنّ هذا الذكاء منبعُ إمكانيّاتٍ هائلة، يستطيع أن يهزم بطلَ العالَم في الشطرنج، وفيما هو أصعب من الشطرنج بما لا حدَّ له: لعبة «ألغو».
الحوار معه لِتقييم بعض المباريات التاريخية الشهيرة، وللتفاعل وإيّاه واللعب ضدّه، أداةٌ عبقريّة عصريّة لِتطوير مؤهّلات لاعب الشطرنج سريعاً.
كذلك استخدامُه للتحضير لِكتابة رواية ممتازٌ جدّاً، عبر إثراء المراجع والمعلومات المرتبطةِ بها، جغرافيّةً كانت أو تاريخيّةً أو في أيِّ مجال معرفيّ آخر؛ أو للنقاش معه حول قضاياها الاجتماعية، أو حول اختيارات الكاتب اللغويّة، حول مقارنة صياغاته ونقدِها، وتصحيحِ أخطائه إذا برزت الحاجة لذلك…
أمّا استخدامه كبديلٍ للإنسان في كتابة الرواية، مع وضعِ اسمِه كمؤلِف، فذلك غشٌّ لو تعلمون عظيم!
يُشبِهُ تماماً استخدامَ الذكاء الاصطناعيّ سِرّاً لِخوض مسابقة شطرنج، باسمِ لاعبٍ إنسانيّ: جُرمٌ مُخجِلٌ فاحشٌ ذلك، يُدينه القانون والأعراف الإنسانية!
لا تختلف هذه اللصوصيّة الوقحة عن اللجوء السيرياليّ، إذا جاز القول، لِرَجلٍ آليٍّ لِيكون، والعياذ بالله، بديلاً عن العاشق عند الاحتفال بالمعشوقة: خيانتان للذاتِ وللآخرِ معاً!
