المقالات

الحكمة السعودية في الحروب

لم تكن مسيّرات إيران التي تُطلق هنا وهناك نظرية جديدة في أيديولوجيا الحروب أو استراتيجياتها، فهي في نظر فاعلها تترجم قرارات ميدانية تفتقد الحكمة، وترتبط نتائجها بمجرد وصولها إلى المناطق المستهدفة، لكن واقعها وقيمتها العسكرية والسياسية تتلاشى أمام حكمة المتلقي لهذا العبث الحربي. ولقد ارتبطت تلك الممارسات بالجهل السياسي والإخفاق الاستراتيجي لمطلقيها.

فروسيا وأوكرانيا تتحاربان منذ سنوات، ولم يُسوِّغ الفكر الاستراتيجي للحرب بينهما مثل تلك الممارسات عقيمة النتائج التي تمارسها إيران مع دول الخليج.

وفي التاريخ الحربي للمنطقة العربية، لم تكن السعودية بمنأى عن ذلك الصلف المتخلف فكراً وعقيدة حربية، ففي تاريخ الحروب العربية يحاول المحبطون سياسياً واقتصادياً وعسكرياً جرّ السعودية إلى أتون عراكٍ يكون المنتصر فيه خاسراً.

فقد قام جمال عبدالناصر، إبان تدخله غير الشرعي في الشأن الداخلي لليمن، بممارسة ذلك الأسلوب الصلف لجرّ السعودية إلى الحرب، لكن آماله تحطمت فوق صخرة الحكمة السعودية، فمضت السعودية في تنميتها وخسر هو النزال.

واستنسخ صدام ذات العقيدة القتالية، لكن السعودية لم تحِد عن حكمتها في مقارعة الخطوب، فما أفلح هو ولا أفلح تخطيطه، فذهب جمال وصدام وبقيت السعودية شامخة، واليوم يمارس الملالي ذات العقيدة العسكرية البائسة.

إن حكمة السعودية في تحمّل غباء وصلف مشعلي الحروب لم تولد من رحم الضعف أو الانهزام أو قلة العتاد أو عدم الاستعداد للمواجهة، كلا، فالحقيقة تأبى أن تكون كذلك. فخبراء الجيوش في الدول التي تعاملت معها السعودية من الدول المتقدمة يعلمون علم اليقين أن السعودية تمتلك قوة وترسانة عسكرية ودعماً لوجستياً تستطيع معه أن تغيّر جغرافية منطقة الحرب في بضع ساعات، لكن ما تؤمن به من حكمة الحروب يجعلها تفرّق بين ضحايا الحروب ومشعليها.

فالملك فيصل كان يقول أمام عبث عبدالناصر: إن مصر وشعب مصر أغلى وأثمن من عبث عبدالناصر؛ فهو سيذهب وستبقى مصر وشعبها، وصدق القول رحمه الله. والملك فهد – غفر الله له – استنفد كل الجهود والممارسات والضغوط السياسية لثني صدام عن غزو الكويت؛ لأنه يعلم مغبة ما أقدم عليه صدام على العراق وشعبه، لكنه أبى واستكبر، ومارس الصلف ذاته بإطلاق صواريخه على الرياض والمنطقة الشرقية، فقال رحمه الله الحكمة ذاتها: إن العراق وشعب العراق أثمن وأبقى من صدام حسين وصلفه.

ومارس الحوثي وزمرته المارقة المراهقة العسكرية ذاتها بإطلاقه مسيّرات فاقدة التأثير باتجاه السعودية، وهم يعلمون سلفاً أن السعودية قادرة على بتر أي ذراع يتخطى حدودها، فهي تمتلك من القوة العسكرية ما يعلمه بالتأكيد كل مشعلي الحروب، لكنهم يبحثون عمّا وراء الحكمة والصبر السعودي. واليوم يمارس الملك سلمان وولي عهده الأمين – حفظهما الله – الحكمة السعودية ذاتها، فيؤمنان بأن الشعبين المغلوب على أمرهما في اليمن وإيران أثمن من ملالي الحروب وطغمة الحوثي، فأولئك سيذهبون إلى الجحيم وتبقى إيران واليمن وشعوبهما.

ونختم بمقولة عميد الدبلوماسية السعودية صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل – رحمه الله –: لسنا دعاة حرب، ولكن إذا قرعت طبولها فنحن جاهزون لها.

حفظ الله الوطن وقيادته وشعبه.

• رئيس جامعة نايف للعلوم الأمنية الأسبق

د. جمعان بن رقوش

رئيس جامعة نايف للعلوم الأمنية سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى