
عندما تأسست الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود عام 1139 هـ/1727م ، فإنها كانت من أقدم الدول على الخريطة الدولية بالمعنى الحديث لكلمة “الدولة”، واستطاعت في غضون بضع سنوات أن تصبح في عهد الإمام سعود الكبير إمبراطورية مترامية الأطراف، تشمل أجزاء من سوريا والعراق واليمن والخليج، كما أصبحت المنافس الأكبر لإمبراطورية محمد علي باشا الذي حاول عبر ثلاث محاولات هزيمة هذه الدولة، فلم يتحقق له ذلك إلا بعد صراع مرير عندما استولى ابنه إبراهيم باشا في الحملة الثالثة على الدرعية عاصمة الدولة، بعد فشل الحملة الأولى التي قادها طوسون باشا والحملة الثانية التي قادها بنفسه، بينما نجحت الحملة الثالثة التي قادها ابنه إبراهيم باشا عام 1818، ونستطيع الجزم هنا أن محاولات إبراهيم باشا القضاء على الدولة السعودية الأولى ليس امتثالاً لأوامر الباب العالي، وإنما لأن محمد علي استشعر أن الدولة السعودية الأولى تعتبر المنافس الأكبر لإمبراطوريته.
ولم تكد تمر عشر سنوات على سقوط الدرعية حتى نجح الأمير تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود في تأسيس الدولة السعودية الثانية. ولم تمض عشر سنوات أخرى على سقوط الدولة السعودية الثانية حتى تأسست الدولة السعودية الثالثة بقيادة مؤسس الكيان وباني الانسان على أرضه المباركة القائد الموحد عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل يرحمه الله، تلك الدولة التي توطدت دعائمها وترسخ وجودها على هذه الأرض الطيبة لتصبح الآن دولة فتية ناهضة تشكل واحدة من أقوى دول العالم تقدمًا وإحدى دول القرار على الخريطة الإقليمية والدولية إضافة إلى موقعها الروحي باعتبارها أقدس بقاع الأرض.
هذه البانوراما السريعة تعكس قصة البطولة والعظمة التي تجسدت في الشخصيات القيادية لقادة آل سعود الذين سطعت أسمائهم في سماء هذا الوطن الذي عاش منذ تأسيسه قبل أكثر من ثلاثمئة عام حرًا مستقلاً عزيزًا شامخًا، لم يرد في قاموسه ذكر للحروب الأهلية والاحتلال والانقلابات والثورات، وإنما ظل يتمتع دومًا بالثبات والاستقرار بعيدًا عن الأحزاب والتنظيمات والأيدولوجيات المستوردة.
ولم تعش الدولة السعودية الأولى بمعزل عن محيطها الإقليمي والدولي، بل كان لها علاقات متشعبة مع مجتمعها الدولي. وقد لفت اتساع الدولة بشكل خاص نظر نابليون بونابرت، فأرسل إلى الدرعية موفدًا عنه اسمه جول تيدور لاسكاريس لمقابلة الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود (سعود الكبير). وعندما أحست بريطانيا بنية الفرنسيين التقرب الى السعوديين، أرسلت بدورها بعثة إلى الدرعية.. ونستطيع أن نفهم من هذه الرواية أنه كان ثمة منافسة بين بريطانيا وفرنسا لخطبة ود الدولة السعودية الأولى والتقرب منها.
ويذكر الكاتب الفرنسي جان جاك بيربي في كتابه (جزيرة العرب) أن الملك عبد العزيز أشار إلى تبادل الرسائل بين جده (الإمام سعود) ونابليون الأول أثناء حملته على مصر. ويعتبر لويس ألكسندر أوليفيه دي كورانسيز الذي رافق البعثة العلمية لنابليون من أبرز الرحالة الفرنسيين الذين كتبوا عن هذا الموضوع.
وهناك إشارة لأمين الريحاني إلى رحلة بلجريف إلى نجد عام 1868 في عهد نابليون الثالث، ورحلة علي بك (باديا الأسباني) التي سبقتها بخمسين عامًا (في عهد نابليون الأول).
الرحالة والكتاب والمؤرخين الذين كتبوا عن الدرعية كعاصمة للدولة السعودية الأولى أشادوا بموقعها العلمي والتجاري والحضاري، والتي كان عدد مدارسها يفوق عدد مساجدها، وكانت أحيائها خلايا نحل تعج بالحركة والحيوية والنشاط .
لنا – كسعوديين- أن نفخر بيوم التأسيس تلك الذكرى الخالدة لـ “يوم بدينا”، والتي أهداها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لشعبه الوفي، والتي تحمل في طياتها العديد من الدلالات والإشارات من أهمها:
•الاعتزاز بالجذور الراسخة للدولة السعودية
•الاعتزاز بالارتباط الوثيق بين المواطنين وقادتهم
•الاعتزاز بما أرسته الدولة السعودية من الوحدة والاستقرار والأمن
•الاعتزاز بصمود الدولة السعودية الأولى والدفاع عنها أمام الأعداء
•الاعتزاز باستمرار الدولة السعودية واستعادتها لقوة جذورها وقادتها
•الاعتزاز بالوحدة الوطنية للمملكة العربية السعودية التي أرساها الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود يرحمه الله.
•الاعتزاز بإنجازات الملوك أبناء الملك عبد العزيز في تعزيز البناء والوحدة
•ارتبط التأسيس بالإمام محمد بن سعود كونه مؤسس الدولة السعودية الأولى وواضع اللبنة الأولى لهذا الكيان الذي بدأ قبل أكثر من ثلاثة قرون.
ومن دواعي سعادتنا – كأبناء للوطن- أن نوجه
ومن دواعي سعادتنا — أبناء هذا الوطن —
أن نرفع أسمى آيات الشكر والامتنان والتهنئة
لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ولولي عهده الأمين سمو الأمير محمد بن سلمان بهذه الذكرى العزيزة
التي أنعشت ذاكرتنا الوطنية
وجعلت من يوم التأسيس إضافةً مشرقةً في مسيرتنا، ورمزًا لعمقنا التاريخي والحضاري والثقافي لوطننا الغالي.
أسمى آيات الشكر والامتنان والتهنئة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بهذه الذكرى العزيزة كونه أنعش ذاكرتنا بيوم التأسيس وجعله إضافة في إنجازات مسيرتنا الوطنية باعتباره يرمز إلى العمق التاريخي والحضاري..





