المقالات

الدراما بين المسؤولية وأزمة النص

لم تعد الدراما اليوم مجرد وسيلة ترفيه تُملأ بها ساعات البث، ولا مادة عابرة تُستهلك ثم تُنسى، بل أصبحت بالفعل قوة تأثير ناعمة، تشكل الوعي، وتبني الصورة الذهنية، وتسهم في صياغة القيم الاجتماعية والثقافية. ومن هنا فإن التعامل مع الدراما بوصفها “محتوى للعرض” فقط، دون إدراك عمق رسالتها، يُعد اختزالاً لدورها الحقيقي.فالدراما مسؤولية جسيمة، لأنها تدخل كل بيت، وتخاطب مختلف الفئات العمرية، وتعيد إنتاج أنماط التفكير والسلوك بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وحين تغيب القيمة الاجتماعية، أو تتراجع الجودة الفنية، أو يضعف العمق الإعلامي، تتحول الدراما من صناعة وعي إلى صناعة استهلاك، ومن رسالة إلى مجرد مشاهد متتابعة بلا أثر مستدام.
وإذا أردنا تشخيص مكمن الخلل بموضوعية، فسنجد أن الأزمة ليست في وفرة الإمكانات التقنية، ولا في قدرات الممثلين، ولا حتى في شركات الإنتاج، بل في النص. نعم، نحن أمام ما يمكن تسميته بـ”أزمة نص”. فالنص هو العمود الفقري للعمل الدرامي، عليه تُبنى الشخصيات، ومن خلاله تتشكل الحبكة، وبه تُقاس قوة الرسالة. فإذا كان النص هشًّا أو مكررًا أو قائمًا على مبالغات غير مبررة، فلن تنقذه الكاميرا العالية الدقة ولا المؤثرات البصرية المتطورة.
لذا، تبرز الحاجة إلى وقفة مراجعة جادة، عبر تنظيم ملتقى تشاوري يجمع الكتّاب والمؤلفين والقاصين والروائيين والإعلاميين وصنّاع القرار في المجال الثقافي والفني والإعلامي، لمناقشة جذور أزمة النص، وتحليل أسبابها، واستشراف مستقبل الدراما. ملتقى لا يكتفي بالتوصيف، بل يخرج بتوصيات عملية قابلة للتنفيذ، تضع إطارًا واضحًا للارتقاء بالكتابة الدرامية، وتؤسس لمعايير جودة دقيقة يُحتكم إليها. بطبيعة الحال، المراجعة وحدها لا تكفي، فالمواهب تحتاج إلى بيئة حاضنة ومحفزات حقيقية. لذلك فإن من المهم وضع برامج دعم وتشجيع للطاقات الشابة والواعدة في مجالات الكتابة والتأليف والإعداد الدرامي. فالموهبة موجودة، لكنها تحتاج إلى رعاية منهجية، وإلى منصات تبرزها، وإلى فرص عادلة تفتح أمامها الأبواب. ومن المقترحات العملية في هذا السياق، تنظيم جائزة سنوية متخصصة في كتابة النصوص الدرامية، تُمنح لأفضل ثلاثة أو خمسة أو عشرة نصوص وفق ما تراه الجهة المنظمة. جائزة تُبنى على معايير صارمة وواضحة، وتخضع النصوص فيها لتحكيم لجنة علمية ومهنية ذات خبرة، تقيّم الأعمال من حيث الفكرة، والبناء الدرامي، والعمق الفكري، والالتزام بالقيم، وقابلية التحويل إلى عمل بصري مؤثر. فمثل هذه المبادرات من شأنها أن ترفع سقف المنافسة لصالح الجودة، وأن تخلق حراكًا ثقافيًا صحيًا في ساحة الكتابة. فعندما يعلم الكاتب أن هناك منصة عادلة للتقييم، وفرصة حقيقية لتحويل نصه إلى عمل درامي يُنتج ويُعرض، سيبذل بالتأكيد جهده لتقديم أفضل ما لديه. كما أن تعدد الخيارات أمام شركات الإنتاج يمنحها قدرة أكبر على اختيار النصوص الأجود، بدلاً من الاضطرار لضيق الوقت إلى الاكتفاء بما هو متاح حتى وإن كان دون المستوى المأمول.
فالخيارات المحدودة تقود غالبًا إلى نتائج محدودة، أما حين تتعدد النصوص المتميزة، وتتنافس الأفكار الثرية، يصبح الاختيار عملية انتقاء للأفضل لا قبولًا بالأقل. وعندها فقط يمكن أن نطمئن إلى أن الدراما تسير في اتجاهها الصحيح، بوصفها صناعة متكاملة، لا مجرد منتج موسمي. إن مستقبل الدراما مرهون بقدرتنا على التعامل معها كمشروع ثقافي وطني، له معاييره، وله خطته، وله استثماره في العقول قبل الكاميرات. وحين نمنح النص مكانته التي يستحقها، ونصنع بيئة تحفز المبدعين وتكافئ الجودة، سنرى دراما ترتقي بالذوق، وتعكس واقع المجتمع بصدق، وتنافس إقليميًا ودوليًا بثقة واقتدار.

د. تركي بن فهد العيار

أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى