
د. تركي العيار
لم يعد الحسد في زمننا الحاضر مجرد شعور عابر يختبئ في النفوس، بل أصبح في بعض الأحيان سلوكًا علنيًا يمارس عبر الكلمات والتعليقات والإسقاطات ومحاولات التقليل من نجاح الآخرين والطعن في إنجازاتهم. ومع اتساع تأثير منصات التواصل الاجتماعي، بات البعض يعيش حالة مقارنة دائمة مع غيره، يراقب ما يملكونه أكثر مما ينشغل بما ينقصه هو من تطوير وعمل واجتهاد.فحين يرى إنسانًا ناجحًا أو ثريًا أو صاحب مكانة اجتماعية، بدلاً من أن يجعل ذلك مصدر إلهام وتحفيز، يتحول الأمر عنده إلى حالة من الامتعاض الداخلي والبحث عن أي مدخل للتقليل من ذلك الشخص أو التشكيك في نجاحه أو اتهامه بطرق مختلفة، وكأن النعمة التي عند غيره انتُزعت من نصيبه الشخصي.وهنا يأتي التوجيه القرآني العميق في قوله تعالى:
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
فالآية الكريمة تختصر حقيقة نفسية واجتماعية متكررة عبر التاريخ، وهي أن بعض البشر لا يحتملون رؤية التفوق أو النعمة عند غيرهم، مع أن الله سبحانه أوضح أن ذلك من فضله وعطائه وتقديره الذي يوزعه بحكمته وعدله بين عباده.واللافت أن القرآن الكريم لم ينكر وجود التفاوت بين الناس، بل اعتبره جزءًا من طبيعة الحياة البشرية، فقال سبحانه:
﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾
وقال جل وعلا:
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾
فالتفاوت في الرزق والمكانة والقدرات والنجاحات ليس خللًا في الحياة، بل هو من سنن الله الكونية التي تقوم عليها حركة المجتمع وتكامله. فليس الناس سواء في الأرزاق ولا في الإمكانات ولا حتى في الفرص، ولو تساوى الجميع في كل شيء لتعطلت مصالح الحياة واختفت معاني الاجتهاد والطموح والتنوع.لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول هذا التفاوت الطبيعي إلى مصدر احتقان نفسي عند البعض، فيعيش الإنسان أسيرًا لمراقبة الآخرين ومتابعة تفاصيل حياتهم وممتلكاتهم وإنجازاتهم، حتى يفقد راحته النفسية ويصبح نجاح غيره عبئًا على قلبه وعقله.
ولعل أخطر ما أنتجته منصات التواصل الاجتماعي اليوم أنها جعلت البعض يقارن حياته كاملة بما يراه أمامه من مظاهر النجاح والسفر والثراء والظهور الإعلامي، دون أن يدرك أن الناس لا تعرض غالبًا إلا أجمل ما لديها، وأن خلف كثير من الصور اللامعة قصصًا طويلة من التعب والعمل والصبر وربما المعاناة التي لا يراها أحد.إن الحسد لا يضر المحسود بقدر ما يستهلك الحاسد نفسيًا ويجعله يعيش في صراع داخلي دائم، بينما الإنسان الواعي يدرك أن الأرزاق بيد الله، وأن لكل إنسان نصيبه الذي كتبه الله له، وأن النجاح الحقيقي يبدأ من تطوير الذات لا من مراقبة الآخرين. ومن أجمل ما يمكن أن يتحلى به الإنسان أن يفرح لنجاح غيره، وأن يدعو له بالبركة، لأن القلوب النقية لا تضيق بنعم الناس، بل تؤمن أن فضل الله واسع، وأن خزائنه لا تنفد. ولهذا فإن النصيحة التي يحتاجها كثير من الناس اليوم هي أن يتوقفوا عن النظر المستمر لما في أيدي الآخرين، وألا يجعلوا المقارنات والحسد تسرق منهم راحة قلوبهم وجمال حياتهم، فلكل إنسان رزقه وقدره وطريقه المختلف، وما عند الله لا يُنال بالحسد، بل بالسعي والعمل والرضا وحسن التوكل عليه سبحانه وتعالى.
• أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود





