المقالات

عندما يتحدث الذكاء الاصطناعي بضمير الإعلام

في خطوة تعكس وعياً وطنياً مبكراً بحجم التحولات الرقمية المتسارعة، أطلقت المملكة العربية السعودية خلال أعمال المنتدى السعودي للإعلام 2026 “مبادئ أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام” بالشراكة بين وزارة الإعلام والهيئة السعودية للبيانات والذكاء

الاصطناعي “سدايا”، لتؤكد المملكة مجدداً أنها لا تتعامل مع التقنية بوصفها مجرد أدوات حديثة، بل باعتبارها مسؤولية أخلاقية ووطنية وإنسانية تتطلب تنظيماً وضبطاً ورؤية مستقبلية متوازنة.

فالعالم اليوم يعيش مرحلة غير مسبوقة من التحول الرقمي، وأصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً مؤثراً في صناعة المحتوى الإعلامي وصياغة الرسائل وتوجيه الرأي العام وتحليل اهتمامات الجمهور، بل وصل الأمر إلى إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو وأصوات يصعب أحياناً التمييز بينها وبين الواقع الحقيقي. فهذا التطور المذهل منح الإعلام إمكانات هائلة، لكنه في الوقت ذاته فتح الباب أمام تحديات خطيرة تتعلق بالمصداقية والشفافية والخصوصية والتزييف والتضليل. ومن هنا تأتي أهمية المبادئ السعودية الجديدة، فهي لا تهدف إلى مقاومة التقنية أو الحد من الاستفادة منها، وإنما تسعى إلى بناء علاقة متوازنة بين الابتكار والمسؤولية، وبين التطور المهني وحماية المجتمع. فالإعلام لم يعد مجرد نقل للمعلومة، بل أصبح جزءاً من تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الإدراك الاجتماعي والسياسي والثقافي، وأي خلل في هذا الجانب قد ينعكس بصورة مباشرة على أمن المجتمعات واستقرارها وثقة الناس بالمحتوى الإعلامي.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الذكاء الاصطناعي قادر على تقديم خدمات نوعية للإعلام، بدءاً من تسريع إنتاج الأخبار، وتحليل البيانات الضخمة، ورصد اتجاهات الجمهور، ووصولاً إلى الترجمة الفورية وصناعة المحتوى التفاعلي. لكن في المقابل، ظهرت تحديات أكثر تعقيداً، أبرزها “التزييف العميق” الذي بات قادراً على صناعة فيديوهات وصور وأصوات مزيفة تبدو حقيقية بدرجة مخيفة، الأمر الذي يجعل المجتمعات أمام معركة حقيقية بين الحقيقة والوهم. وتكمن خطورة المحتوى المضلل في أنه لا يكتفي بتشويه الحقائق فحسب، بل يضرب الثقة بالإعلام والمؤسسات والمجتمع، ويجعل المتلقي يعيش حالة من الشك الدائم تجاه كل ما يشاهده أو يسمعه. لذلك فإن وجود إطار وطني أخلاقي ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام أصبح ضرورة ملحة، وليس مجرد خيار تنظيمي. ومن الجوانب المهمة التي أكدت عليها الوثيقة السعودية مسألة الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الإعلامي، وهي خطوة تعزز الشفافية وتمنح الجمهور حق المعرفة، لأن بناء الثقة مع المتلقي لا يتحقق إلا بالوضوح والمصداقية. فالجمهور اليوم أكثر وعياً وأكثر قدرة على اكتشاف التلاعب، والإعلام الذكي هو الذي يكسب احترام الناس قبل أن يكسب مشاهداتهم. كما أن تركيز الوثيقة على حماية خصوصية الأفراد ومنع استخدام صورهم أو أصواتهم دون موافقة يعكس بعداً إنسانياً وأخلاقياً بالغ الأهمية، لأن التقنية مهما بلغت قوتها يجب ألا تتحول إلى أداة لانتهاك الحقوق أو الإساءة للناس أو العبث بكرامتهم الشخصية. وهذا التوجه ينسجم مع القيم السعودية التي تضع الإنسان في مقدمة الاهتمام وتحمي خصوصيته وحقوقه.
وفي ظل هذا المشهد المتغير، فإن المسؤولية لم تعد مقتصرة على المؤسسات الإعلامية فقط، بل أصبحت تشمل أيضاً صناع المحتوى والمؤثرين في منصات التواصل الاجتماعي، الذين يمتلك بعضهم تأثيراً يفوق تأثير بعض الوسائل التقليدية. فهؤلاء مطالبون اليوم بأن يكونوا أكثر وعياً في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وأكثر التزاماً بالمهنية والأمانة، لأن التأثير مسؤولية قبل أن يكون شهرة أو انتشاراً.

إن المملكة وهي تطلق هذه المبادئ الأخلاقية تؤكد للعالم أنها تسير بخطى واثقة نحو المستقبل الرقمي، لكنها في الوقت ذاته ترفض أن يكون هذا المستقبل بلا ضوابط أو قيم أو مسؤولية. فالتقنية مهما بلغت من الذكاء، تبقى بحاجة إلى ضمير إنساني يحكمها، وإعلام مهني يوجهها، ووعي مجتمعي يحسن التعامل معها. وفي زمن أصبحت فيه الحقيقة مهددة بالتزييف، تبدو أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ليست مجرد مبادئ نظرية، بل ضرورة لحماية الوعي الإنساني نفسه.

د. تركي بن فهد العيار

أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى