المقالات

مملكة التسامح.. كيف رسّخت السعودية ثقافة التعايش والاعتدال محلياً وعالمياً؟

لم تعد ثقافة التسامح في المملكة العربية السعودية مجرد شعارات إعلامية أو عبارات إنشائية تُتداول في المناسبات، بل أصبحت بالفعل مشروعاً وطنياً متكاملاً تدعمه القيادة، وتؤصله التشريعات، وتعززه المؤسسات، وتترجمه المبادرات والممارسات اليومية على أرض الواقع. وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030، برزت السعودية ولله الحمد كنموذج عالمي في ترسيخ قيم الاعتدال والتعايش واحترام التنوع الإنساني والثقافي والديني، حتى بات كثير من زعماء وقادة العالم يصفونها بأنها “مملكة التسامح والاعتدال”.
لقد انطلقت المملكة في هذا المسار من مرتكزات دينية ووطنية راسخة، فالإسلام الذي قامت عليه الدولة السعودية دين يدعو إلى الرحمة والتسامح والتعايش، كما أن النظام الأساسي للحكم أكد في مواده على تعزيز الوحدة الوطنية ومنع كل أسباب الفرقة والكراهية والانقسام. وتشير المادة الثانية عشرة من النظام الأساسي للحكم إلى أن الدولة تعمل على “تعزيز الوحدة الوطنية ومنع كل ما يؤدي إلى الفرقة والفتنة والانقسام”، وهي مادة تحمل في مضامينها بعداً تشريعياً واضحاً يعزز ثقافة التسامح والتعايش.
ومع إطلاق رؤية المملكة 2030 بقيادة عرابها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أصبحت قيم الاعتدال والانفتاح والتسامح جزءاً أصيلاً من مشروع التحول الوطني. وقد أكد سمو ولي العهد حفظه الله في أكثر من مناسبة أن المملكة “ستعود إلى الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم”، وهي رسالة حملت أبعاداً سياسية وثقافية واجتماعية عميقة انعكست على مختلف مؤسسات الدولة وبرامجها التنموية.
وعلى المستوى المؤسسي، لعب مركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري دوراً محورياً في نشر ثقافة الحوار والتسامح داخل المجتمع السعودي وخارجه، حيث نظم عشرات المؤتمرات والملتقيات والبرامج التدريبية والحوارية التي استهدفت مختلف فئات المجتمع. وأكد المركز أن التسامح يُعد هدفاً استراتيجياً يسعى إلى ترسيخه للوصول إلى مجتمع أكثر تلاحماً وتعايشاً. كما أظهر أحد مؤشرات المركز أن نحو 82.2% من السعوديين يتبنون قيماً متسامحة تجاه المختلفين معهم دينياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً، وهي نسبة تعكس حجم التحول المجتمعي الإيجابي الذي تشهده المملكة.
كما أسهم مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات في تعزيز الحوار بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة، وأصبح منصة دولية للحوار الحضاري، حيث يشارك في برامجه ومبادراته قيادات دينية وفكرية من مختلف دول العالم، بما يعكس حرص المملكة على بناء جسور التواصل الإنساني ونبذ خطاب الكراهية والتطرف.
وفي الجانب التشريعي، عملت المملكة على سن العديد من الأنظمة والقوانين التي تحارب التطرف والكراهية والعنصرية، ومن أبرزها نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية الذي يجرّم نشر خطاب الكراهية والتحريض عبر المنصات الرقمية، إضافة إلى الأنظمة الإعلامية التي تمنع الإساءة للآخرين أو إثارة النعرات أو بث خطاب التعصب. كما أنشأت المملكة المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف (اعتدال) الذي أصبح نموذجاً دولياً في مكافحة الفكر المتطرف باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والرصد الرقمي وتحليل الخطاب المتطرف بلغات متعددة.
ولم تتوقف جهود المملكة عند الإطار المحلي، بل امتدت إلى الساحة الدولية، حيث شاركت السعودية في مؤتمرات ومنتديات عالمية تناقش قضايا التسامح والتعايش السلمي، وأسهمت في دعم مبادرات الأمم المتحدة واليونسكو المتعلقة بالحوار بين الحضارات ونبذ الكراهية والعنصرية. كما استضافت المملكة العديد من اللقاءات الدولية التي جمعت شخصيات دينية وفكرية وسياسية من مختلف الثقافات، في مشهد يعكس مكانتها العالمية ودورها الحضاري.
وقد أشاد عدد من زعماء العالم وقادته بالتجربة السعودية الحديثة في الاعتدال والانفتاح، معتبرين أن ما يحدث في المملكة يمثل تحولاً تاريخياً مهماً في المنطقة. كما أصبحت السعودية وجهة عالمية تستقطب الملايين من مختلف الجنسيات والثقافات للعمل والاستثمار والسياحة والفعاليات الدولية، في بيئة يسودها الأمن والاحترام والتعايش. ومن الشواهد الواقعية على ترسيخ ثقافة التسامح في المملكة، ما نراه اليوم من تنوع ثقافي واجتماعي كبير داخل المجتمع السعودي، حيث يعيش ملايين المقيمين من مختلف الديانات والثقافات والأعراق في أجواء مستقرة وآمنة، إضافة إلى التوسع الكبير في الفعاليات الثقافية والفنية والرياضية والسياحية التي تستقبل العالم بكل انفتاح واحترام، وهو ما يعكس صورة ذهنية إيجابية عن المملكة الحديثة.
إن المتابع لمسيرة المملكة خلال السنوات الأخيرة يدرك أن التسامح لم يعد خياراً ثانوياً، بل أصبح أحد أعمدة التنمية والاستقرار وبناء الصورة الذهنية الإيجابية للمملكة عربياً وإسلامياً ودولياً. فالمجتمعات لا تنهض بالكراهية والانغلاق، بل تنهض بالحوار والتعايش والانفتاح الواعي واحترام الإنسان.
واليوم، تقدم المملكة العربية السعودية للعالم نموذجاً متوازناً يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثوابت الدينية والانفتاح الحضاري، وبين الاعتزاز بالهوية الوطنية والانفتاح على الثقافات الإنسانية، لتؤكد بالفعل أنها مملكة التسامح والاعتدال والسلام.

* أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

د. تركي بن فهد العيار

أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى