تعيش منطقة الخليج أجواء حرب شبه عالمية تشارك فيها العديد من الأطراف، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران.
هذه الحرب بدأت منذ حوالى شهرين ولم تنته حتى الآن ولا يدري أحد كيف ومتى تنتهي ، وماذا ستسفر عنه من نتائج. لكن لا شك أن منطقة الخليج بعد هذه الحرب لن تكون كما كانت قبلها.
ويمكن القول بشكل عام أن الموقف أصبح معقدًا والرؤية ضبابية، لاسيما بعد ظهور العديد من المستجدات والمفاجآت ، التي قلبت الموازين، فقد فوجئت دول مجلس التعاون الخليجي بقصف إيران لأهدافها الحيوية في عواصمها ومدنها وليس فقط القواعد الأجنبية كما تزعم، بالرغم من تعهد دول المجلس على عدم السماح للقوات الأمريكية والإسرائيلية باستخدام أراضيها في الهجمات على إيران، مما يثبت أن تلك الدول تنأى بنفسها عن دعم أو الوقوف بجانب أمريكا وإسرائيل في حربهما على إيران.
لكن مفاجأة إيران كانت أكبر عندما رأت دول المجلس ترد بقوة على هجماتها الصاروخية ’ وجاءت المفاجأة الأخرى بعودة الروح لحزب الله ، لكن بينما كان الحزب يشن هجماته الصاروخية على المناطق الإسرائيلية وترد إسرائيل بعنفها المعهود، كانت إسرائيل تجري مفاوضاتها مع الحكومة اللبنانية في واشنطن وتحرز تقدمًا. كل ذلك يحدث بينما تلاشى الحديث عن مجلس السلام العالمي (الترامبي) لتعود غزة إلى معاناتها المزمنة.
يمكن القول دون أدنى مواربة أن إسرائيل لم يكن باستطاعتها شن هكذا حرب على إيران بمفردها. لكن ينبغي لفت النظر هنا إلى أن الجولة الأولى من المواجهة بين الطرفين التي انتهت بحرب الأيام الاثني عشر أسفرت عن هزيمة إيران، فقد أدت المواجهات على مدى أكثر من عامين إلى خسارة إيران لمشروع “الهلال الشيعي”، وفقدت سيطرتها على بيروت ودمشق، وانفض عقدها مع حماس، ولم يعد الحوثيون يأتمرون بأوامرها.
لاشك أن حكمة القيادة السعودية في موقفها من هذه الحرب وكيفية التعامل مع مجرياتها قد ساهم بشكل كبير في حماية أمن دول مجلس التعاون الخليجي .
كما لابد من لفت النظر بأن تطورات الحرب الخليجية الرابعة أعادت السجال إلى موضوع الأمن القومي العربي الذي اعتبره البعض بأنه ذو طابع جمعي مصري، فيما اعتبره البعض الآخر بأنه أصبح – من خلال الواقع السياسي الراهن- ذو طابع خليجي، لاسيما بعد أن أثبت السلاح الذي تشتريه دول الخليج جدواه في التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية، وهنا لابد من الإشارة إلى أن التجربة أثبتت أن دول مجلس التعاون الخليجية ليست في حاجة لحماية هذه القواعد، وبأن بإمكان تلك الدول الدفاع عن نفسها، لأنها في واقع الأمر تولت هي حماية تلك القواعد وليس العكس.
من جهة أخرى طرحت الأزمة السؤال: من هو العدو إسرائيل أم إيران؟ في نظري أن إيران وإسرائيل كلاهما عدو للأمة، وأن ما تهدف إليه إسرائيل هو توريط الدول الخليجية في حرب شاملة مع إيران لتنسحب هي وتكتفي بالمشاهدة عن بعد.
أسئلة أخرى كثيرة تطرح نفسها على هامش الأزمة: كيف سيكون شكل العلاقات الخليجية – الإيرانية بعد انتهاء هذه الحرب؟..هل ممكن أن تنجح المحاولات الأمريكبة في تغيير النظام الإيراني؟ وكيف سيكون شكل العلاقات بين أمريكا من جهة والدول الخليجية الأخرى في ظل النظام الإيراني الجديد لو وجد هذا النظام مستقبلاً؟.. وكيف سيكون شكل العلاقة بين إيران وإسرائيل في ظل نظام إيراني جديد؟ وما تأثير ذلك على العلاقات الخليجية الأمريكية؟
لقد أثبتت تلك الحرب حتى الآن أن دول مجلس التعاون الخليجي منظومة أمنية قوية البنيان، وأصبحت رقمًا صعبًا في المعادلة الدولية، لاسيما بعد أن نجحت بشكل كبير في تطوير بنيتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والأمنية بشكل دراماتيكي لم يكن يتوقعه أحد، بما يتيح لها الاعتماد على نفسها، خاصة في ظل التحالف الذي يربطها بالعديد من الدول الصديقة.
أنا على يقين أن إيران سوف تكتشف – إن عاجلاً أو آجلاً- أن الخيار الأمثل لها يكمن في إقامة علاقات جوار حسنة مع الدول الخليجية تقوم على أسس الإخوة والتعاون، لاسيما في ظل الروابط المتينة التي تربطها بنا : رابطتي الإسلام والجوار، والمشترك التاريخي والحضاري.
0



