المقالات

جامعة الدول العربية بين الطموح والتحديات..: قراءة نقدية بعد الإعتداءات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي العربي

في ظل التحديات الأمنية والسياسية غير المسبوقة التي تواجه العالم العربي، يبرز سؤال محوري: هل لا تزال جامعة الدول العربية قادرة على الوفاء بوعدها التاريخي بالتضامن العربي؟ من الاعتداءات الأخيرة على دول الخليج إلى المواقف الدولية، يبدو أن الاختبار الحقيقي لمؤسسات العمل العربي المشترك قد حان بالفعل، ولم يعد السؤال اليوم حول أهمية العمل العربي المشترك، بل حول قدرته على الصمود في مواجهة التحديات المتصاعدة وتحويل فكرة التضامن العربي إلى مواقف عملية حازمة وفاعلة.
في هذا السياق، تمثل الاعتداءات الإيرانية على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية اختبارا حقيقيا لفاعلية العمل العربي المشترك. فمنذ نهاية فبراير، تعرضت هذه الدول لهجمات صاروخية واستخدام للطائرات المسيّرة، ما يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها وسيادتها وسلامة أراضيها وفقًا لقواعد القانون الدولي، يستوجب موقفًا جماعيًا واضحًا من المنظمات الإقليمية المعنية بحماية الأمن الجماعي. إلا أنه وفي حين تمكنت المملكة العربية السعودية، ومملكة البحرين، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، وسلطنة عمان، ودولة الكويت، والمملكة الأردنية الهاشمية من حشد موقف دولي حازم عبر اعتماد مجلس الأمن لقرارها رقم 2817، الذي أدان الاعتداءات الإيرانية على أراضي دول الخليج والأردن، مؤكّدًا أن هذه الأعمال تشكّل خرقًا للقانون الدولي وتهديدًا خطيرًا للسلام والأمن الدوليين، في المقابل، ظل موقف الجامعة العربية ضعيفًا ومخيبًا للآمال، مقتصرًا على بيانات عامة لا تعكس حجم التهديد وخطورة المساس بسيادة الدول الأعضاء ولا ترسّخ مبدأ التضامن العربي الذي شكّل أساس تأسيسها قبل أكثر من سبعين عامًا، مما يبرز هشاشة مؤسساتها وغياب الفاعلية الحقيقية في حماية الأمن العربي المشترك.
فقد تأسست جامعة الدول العربية عام 1945 لتكون الإطار المؤسسي الجامع للعالم العربي، بهدف تنسيق المواقف السياسية، وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، والدفاع عن المصالح العربية المشتركة في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية. واستندت فكرة إنشائها إلى توحيد الرؤية العربية في القضايا المصيرية، لضمان حد أدنى من التضامن السياسي والقدرة على التصرف الجماعي تجاه التهديدات الخارجية. ومع ذلك، يثير الأداء المؤسسي للجامعة في العديد من الأزمات المعاصرة تساؤلات جدية حول مدى قدرتها على الوفاء بالأهداف التي أُنشئت من أجلها، خصوصًا في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. ويكتسب هذا التساؤل بعدًا أشد أهمية إذا أخذنا في الاعتبار الدور التاريخي لدول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، في دعم العديد من الدول العربية سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا. فقد أسهمت المملكة بشكل بارز في دعم قضايا التحرر الوطني، ووفرت مساعدات مالية وتنموية واسعة، وسخّرت إمكاناتها الدبلوماسية لخدمة القضايا العربية العديدة. ومع هذا الالتزام الواضح، يثير الاكتفاء بخطابات عامة من الجامعة العربية في مواجهة اعتداءات تمس سيادة دول الخليج تساؤلات جدية حول مدى الالتزام الفعلي بمبدأ التضامن العربي المنصوص عليه في ميثاقها.
وبالنظر إلى هذا التباين الواضح بين الدور الحاسم لدول الخليج والرد المؤسسي المحدود للجامعة، تتضح إشكالية أكبر تتعلق بفاعلية مؤسسات العمل العربي المشترك نفسها في التعامل مع الأزمات الأمنية التي تمس بعض الدول الأعضاء. فالاعتداءات على دول مجلس التعاون لا تمثل قضية إقليمية محدودة، بل تمس الأمن الجماعي العربي ككل، ويُفسّر غياب موقف عربي موحد وحازم على أنه ضعف في التضامن العربي أو قصور مؤسسي عن مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة التي تهدد المنطقة.
ولا يقل عن ذلك أهمية الدور المؤسسي للجامعة، وخصوصًا مقرها الدائم في القاهرة، حيث جرت العادة أن يتولى منصب الأمين العام شخصية من الدولة المضيفة. غير أن التحولات الاقتصادية والسياسية وتزايد الوزن النسبي لدول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، تطرح تساؤلات جدية حول مدى ملاءمة هذا النمط المؤسسي في المرحلة الراهنة، لا سيما في ظل التحولات العميقة في موازين القوة والتأثير في العالم العربي. ومن الجدير بالذكر أن مقر الجامعة لم يكن دائمًا في القاهرة؛ فقد شهدت مرحلة استثنائية نقل المقر إلى تونس بعد اتفاقية كامب ديفيد، وتولى منصب الأمين العام شخصية تونسية، مما يؤكد أن مقر الجامعة وطبيعة قيادتها ليسا جامدين، بل خضعا لتوازنات سياسية وإقليمية، وهو ما يفتح اليوم المجال لإعادة النظر في بعض الجوانب المؤسسية بما يتماشى مع التحولات الإقليمية الراهنة. وفي ضوء هذه السابقة التاريخية، يبرز نقاش قانوني ومؤسسي حول إمكانية تحديث نصوص ميثاق الجامعة، وعلى وجه الخصوص المادة العاشرة التي تنظم مسألة المقر. فالتجربة السابقة تثبت أن المقر وطبيعة القيادة ليستا جامدتين، بل يمكن تعديلها بما يعكس التحولات الكبرى في العالم العربي. ومن هنا، يصبح من المناسب التفكير في صياغة نص يتيح اختيار مقر الجامعة في الدولة العربية الأكثر تأثيرًا وقدرة على توظيف إمكاناتها السياسية والاقتصادية لدعم القضايا العربية المشتركة، بما يضمن للجامعة فاعلية أكبر في ممارسة دورها التاريخي، ويجعلها أكثر انسجامًا مع واقع القوة والتأثير المتغير في النظام الإقليمي.
وفي هذا السياق، يتضح أن القوة الاقتصادية والسياسية لدول مجلس التعاون، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، تمنحها دورًا محوريًا يجعلها شريكًا طبيعيًا لتعزيز فاعلية الجامعة. فقد شهدت هذه الدول تحولات تنموية واقتصادية كبيرة خلال العقود الأخيرة، ما منحها تأثيرًا عالميًا متناميًا وقدرة على المشاركة في صناعة القرار الدولي، إضافة إلى تطوير قدرات عسكرية وشبكات واسعة من التحالفات الدولية. ولا يقتصر دورها على التنمية الداخلية فحسب، بل يمتد إلى دعم القضايا العربية والإسلامية على نطاق واسع، وهو ما يجعل فكرة نقل مقر الجامعة العربية إلى الرياض خيارًا جادًا للنقاش ضمن إصلاح منظومة العمل العربي المشترك، بما يتوافق مع موازين القوة والتأثير في النظام الإقليمي المعاصر، وليس مجرد مسألة جغرافية ضيقة.
وختامًا، يمكن القول إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الجامعة العربية اليوم لا يقتصر على مواجهة الأزمات الإقليمية فحسب، بل يشمل قدرتها على التكيف مع التحولات العميقة في النظام العربي، بما في ذلك مراجعة هياكلها المؤسسية وإعادة النظر في مسألة المقر وفق المادة العاشرة من الميثاق. فنجاح الجامعة في أداء دورها التاريخي مرهون بقدرتها على تعزيز التضامن بين الدول الأعضاء، وترجمة طموحها التأسيسي إلى فعل مؤسسي فعّال يعكس الواقع الجديد للقوة والتأثير العربي. وبهذا تصبح الجامعة إطارًا فاعلًا للعمل العربي المشترك، لا مجرد مؤسسة صورية تكتفي بالبيانات التنديدية، بل قوة مؤسسية حقيقية قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والسياسية الراهنة والمستقبلية، بما يضمن بقاء الصوت العربي الموحد حاضرًا بقوة في صناعة القرار الإقليمي والدولي.
• أستاذ القانون الدولي المشارك بجامعة جدة

د. حمزة بن فهم السلمي

أستاذ القانون الدولي العام - رئيس قسم القانون العام بجامعة جدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى