يُحكى أن ذبابةً وقفت فوق قرن ثور يحرث الأرض منذ الصباح، فلما عادت في المساء إلى بيتها سألتها ذبابة أخرى: أين كنتِ طوال اليوم؟ فقالت بكل ثقة: كنا نحرث الأرض! وعلى بساطة هذه الحكاية فإنها تختصر سلوكاً إنسانياً يتكرر في حياتنا الاجتماعية وبيئات العمل؛ فهناك من يكتفي بالوقوف على هامش الجهد، ثم يعود ليتحدث عنه وكأنه صانعه وصاحب الفضل فيه. هؤلاء لا يحملون المحراث، ولا يزرعون البذور، ولا يتحملون مشقة الطريق، لكنهم يتقنون الوقوف في الصورة الأخيرة والتحدث بلغة المنتصرين. في الحياة الاجتماعية نلتقي كثيراً بمن يحبون اقتسام الثمار دون المشاركة في الزراعة. فحين ينجح أحد أفراد الأسرة أو يحقق إنجازاً علمياً أو مهنياً، يظهر من يربط نجاحه بنفسه، فيدّعي أنه صاحب التوجيه الأول أو صاحب الفضل الأكبر، رغم أن دوره لم يتجاوز كلمات عابرة أو حضوراً شكلياً. وفي المناسبات والمبادرات المجتمعية نجد من يغيب عن التخطيط والإعداد والعمل الميداني، ثم يحضر في اللحظات الأخيرة ليتصدر المشهد ويلتقط الصور ويتحدث عن الجهود التي بذلها، بينما يعرف العاملون الحقيقيون حجم مشاركته المحدودة أو المعدومة.
أما في بيئات العمل فتبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً وخطورة، لأن الإنجازات ترتبط بالتقييم والترقيات والمكافآت. فكم من موظف أمضى أياماً أو أسابيع في إعداد دراسة أو تطوير فكرة أو إنجاز مشروع، ثم وجد شخصاً آخر يقدم العمل للإدارة وكأنه نتاج جهده الخاص. وكم من مدير أو مشرف حصد ثناء المسؤولين على مشروع لم يكن له فيه سوى توقيع الموافقة أو حضور الاجتماع الأخير. وهناك من يتقن الاقتراب من أصحاب القرار أكثر من إتقان العمل نفسه، فيحرص على أن يكون اسمه حاضراً في كل إنجاز، بينما تتوارى أسماء أصحاب الجهد الحقيقي خلف الكواليس. ومن النماذج التي تتكرر أيضاً ذلك الشخص الذي يقتات على أفكار الآخرين، فيلتقط فكرة من زميل له أثناء نقاش عابر أو اجتماع غير رسمي، ثم يسارع إلى طرحها أمام المسؤولين على أنها من ابتكاره. وقد لا يسرق الفكرة كاملة، بل يضيف إليها تعديلاً بسيطاً ثم يتعامل معها وكأنها أصبحت ملكاً خالصاً له. وبعضهم لا يكتفي بسرقة فكرة واحدة، بل يبني جزءاً كبيراً من صورته المهنية على أعمال وجهود من حوله، مستفيداً من صمت أصحاب الحقوق أو من غياب التوثيق الواضح للإنجازات.
المشكلة أن سارق الإنجاز لا يكتفي بأخذ ما ليس له، بل غالباً ما يسعى إلى تقليل أدوار الآخرين أو تجاهلها حتى يبدو أكثر بروزاً. فهو يدرك أن الاعتراف بجهود زملائه يقلل من مساحة الضوء الموجه إليه، لذلك يختصر العمل الجماعي في ضمير المتكلم، فتتحول عبارة «أنجز الفريق» إلى «أنجزت»، وتصبح جهود مجموعة كاملة من الأشخاص مجرد تفاصيل هامشية في رواية يكتبها لنفسه. ومع مرور الوقت قد يصدق بعض الناس هذه الرواية، خصوصاً إذا كان صاحبها يجيد الحديث والتسويق الذاتي أكثر مما يجيد العمل الحقيقي. غير أن هذا السلوك، مهما بدا ناجحاً في الظاهر، يحمل آثاراً سلبية عميقة على الأفراد والمؤسسات. فالموظف المجتهد الذي يرى جهده يُنسب لغيره يفقد شيئاً من حماسه ودافعيته، وقد يقتنع أن الإبداع والعمل الجاد لا يكفيان للحصول على التقدير المستحق. كما تتأثر روح الفريق عندما يشعر أفراده بأن هناك من يستولي على ثمار جهودهم، فتضعف الثقة وتتراجع الرغبة في التعاون والمبادرة، ويصبح بعض العاملين أكثر حرصاً على حماية أعمالهم من حرصهم على تطويرها ومشاركتها مع الآخرين. وفي النهاية تخسر المؤسسات المبدعين الحقيقيين أو تدفعهم إلى الانسحاب من دائرة العطاء، بينما يزداد نفوذ أولئك الذين يجيدون الظهور أكثر مما يجيدون الإنجاز. ولا يكفي تشخيص هذه الظاهرة والحديث عن آثارها السلبية، بل لا بد من بناء بيئات عمل ومجتمعات تضمن وصول الفضل إلى أصحابه. ويبدأ ذلك بتوثيق الأفكار والمبادرات وأدوار المشاركين فيها، واعتماد معايير عادلة وشفافة لتقييم الأداء، وعدم اختزال نجاح الفرق في شخص واحد مهما كان موقعه. كما أن الإشادة العلنية بكل من أسهم في الإنجاز تعزز الثقة والانتماء، وتدفع الأفراد إلى مزيد من العطاء، في حين يسهم ترسيخ قيم الأمانة والإنصاف واحترام جهود الآخرين في الحد من ثقافة الاستحواذ على النجاحات ونسبة أعمال الغير إلى النفس.
ولعل المشكلة اليوم لم تعد في وجود ذبابةٍ واحدة تقف على قرن الثور ثم تعود لتقول: «كنا نحرث الأرض»، بل أصبحت في أسرابٍ من الذباب تتزاحم على القرن نفسه حتى تكاد تغطيه بالكامل، ثم يتقاسم أفرادها الفضل في حرث الأرض وزراعتها وسقيها وحصادها. وبينما يواصل الثور صاحب الجهد الحقيقي عمله بصمت، ينشغل الآخرون بتوزيع الأدوار الوهمية وصناعة البطولات الزائفة. وربما لا يكتفي سرب الذباب بسرقة جهد الثور وإنجازه، بل يلقي بأوساخه على جسد الثور نفسه، محاولاً تشويه صورته أمام الآخرين والتقليل من شأنه، حتى يختلط على الناس صاحب المحراث الحقيقي بمن يكتفون بالطنين حوله. وهنا يبرز دور الإدارة والقادة؛ فالمؤسسات الناجحة هي التي تنصف الثور قبل أن تصفق للذباب؛ وتبحث عن صاحب الجهد الحقيقي قبل أن تنخدع بصاحب الصوت الأعلى. فالإدارة العادلة قادرة على تحجيم الطنين وكشف الحقائق وإيصال الفضل إلى أهله، أما إذا تحولت هي نفسها إلى جزء من السرب، أو شاركت في الاستيلاء على جهود الآخرين وتلميع غير أصحابها، فإن الظلم يصبح ثقافة مؤسسية، ويغدو المجتهد غريباً في بيئة يفترض أنها تكافئ الإنجاز. غير أن الزمن كفيل دائماً بفرز الحقائق عن الادعاءات؛ فقد ينجح الطنين أحياناً في لفت الانتباه، وقد يخطف بعض الأضواء لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يغير الحقيقة؛ فالأرض تعرف من شق أخاديدها، والزرع يعرف من سقاه، والإنجاز الحقيقي يبقى شاهداً على أصحابه مهما ازدحم حوله الذباب.
الخاتمة:
المؤسسات الناجحة تبدأ بإنصاف الثور قبل التصفيق للذباب.




