كثيرًا ما تتردد عبارة “العمر مجرد رقم”، وهي وإن بدت للوهلة الأولى تعبيرًا عابرًا، إلا أنها في حقيقتها تعكس فلسفة عميقة في فهم الحياة. فالعمر، كما يُدوَّن في الوثائق الرسمية، لا يعكس بالضرورة طاقة الإنسان، ولا قدرته على العطاء، ولا مستوى إبداعه أو استمتاعه بالحياة.
فقد يكون الإنسان في التسعين من عمره نابضًا بالحيوية ومفعمًا بالشغف، بينما قد يبدو آخر في العشرين وكأنه استهلك سنوات عمره مبكرًا. ولعل الشاعر أحمد الصافي عبّر عن هذه الفكرة ببلاغة حين قال:
“عمري إلى التسعين يركض مسرعًا… والروح ثابتة على العشرين.”
وتؤكد تجارب الحياة أن الإبداع لا يرتبط بعمر زمني، بل بطاقة داخلية تدفع الإنسان للاستمرار في العطاء. ومن أبرز النماذج العالمية في هذا السياق عالم الكيمياء البروفيسور جون جودإناف، الذي اضطر إلى ترك منصبه في جامعة أكسفورد عند بلوغه سن التقاعد، قبل أن يواصل مسيرته العلمية في الولايات المتحدة، ويتوج بجائزة نوبل في سن السابعة والتسعين، تقديرًا لإسهاماته في تطوير بطاريات الليثيوم.
وفي تجربة شخصية، أستحضر نموذجًا لا يقل إلهامًا، يتمثل في مشرفتي خلال مرحلة الدكتوراه بجامعة ويلز البريطانية، البروفيسورة سيلفا لوتكنز، التي بدأت الإشراف عليّ وهي في الخامسة والسبعين من عمرها، واستمرت في نشاطها الأكاديمي بكل حيوية.
لم تكن مجرد أستاذة جامعية، بل كانت نموذجًا حيًا لمعنى الحياة المتجددة؛ تمارس رياضة تسلق الجبال، وتتنقل يوميًا إلى الجامعة إما مشيًا أو على دراجتها الهوائية، في مشهد يعكس انسجامها مع الحياة بكل تفاصيلها.
والأكثر إدهاشًا أنها لا تزال – حتى اليوم – تمارس دورها العلمي، حيث تواصل إلقاء المحاضرات لطلاب الدراسات العليا، رغم تجاوزها الرابعة بعد المئة من عمرها، في رسالة واضحة مفادها أن العطاء لا تحدّه السنوات.
إن مثل هذه النماذج تؤكد حقيقة بسيطة لكنها عميقة: أن العمر ليس سوى رقم، أما الحياة فهي قرار، واختيار يومي بأن نعيش بشغف، ونبدع بلا قيود، ونواصل العطاء ما دمنا قادرين على ذلك.



