في الوهلة الأولى يبدو العنوان شائكًا إلى حدٍّ ما، وحتى تتضح رؤاه وينكشف غموضه، فإن المقصود بكلمة “كلاسيكي” هو النموذج المتعارف عليه، أو السياق المعتاد لدى البعض في مسار حياتهم قبل التقاعد. فمصطلح “الكلاسيكية” يعود في معناه إلى الماضي، ويرتكز على الكمال والمثالية.
وفي الوقت الذي كانت فيه العزلة بالنسبة لهم أمرًا قدريًا، نجدها اليوم تتحول إلى حالة من المخالطة والاحتكاك والتفاعل مع الجميع، بل والدخول في رومانسية وديعة وحالمة، ليغدو كل واحدٍ منهم فجأة شخصية اجتماعية تسعى إلى نفض غبار العزلة، ولكن عبر اندماجٍ نوعي داخل مجموعات تحرص على استحضار وهج الماضي والتغني بمراحله، أملًا في استمرار الألقاب التي اكتسبوها أثناء العمل.
نجد أن البعض قد انسلخ من وضعه السابق إلى وضعٍ جديد، بعد أن ارتدى “الثوب الاجتماعي” بمقاييس خاصة، وانضمّوا فرادى وجماعات إلى برامج التواصل الاجتماعي، وخصوصًا تطبيق “واتساب”، وابتكروا تسمياتٍ لافتة تضعهم في دائرة الضوء، استحضارًا للماضي وعوالمه، دون اندماجٍ حقيقي وفاعل في المجتمع.
ولا سيما أن الفرصة اليوم متاحة، في ظل توجهات الرؤية الوطنية، للانضمام إلى مسيرة البناء، كلٌّ حسب قدراته وتوجهاته؛ فمضمار الوطن يتسع لكل متسابق. وربما لا تزال هذه المحاولات مجرّد رغبة في البقاء في الواجهة، مع التمسك بألقاب الوظيفة السابقة التي فقدت بعد التقاعد.
وفي الماضي، كان التواصل بالنسبة لهم يُعدّ نوعًا من اقتحام الخصوصية وإحراجًا غير مقبول، وكانت العلاقات الاجتماعية تُشكّل قيدًا يحدّ من النشاط والإنجاز، وهو – بلا شك – مفهوم خاطئ؛ فالتواصل مع المجتمع والاحتكاك بالناس سمة حضارية، تتجاوز حضورها الشكلي إلى مستويات أعمق، كما في قوله تعالى:
﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾.
لقد كانوا في السابق أكثر حذرًا في تصرفاتهم وتعاطيهم مع الآخرين، أما اليوم فنراهم على النقيض تمامًا، وكأنهم كانوا يظنون أن الشخصية لا تحتفظ بقوتها وهيبتها إلا في حال الغياب والتواري، بل إن بعضهم كان يتجنب الآخرين عمدًا، وكأن غشاوةً تحجب الرؤية.
أما اليوم، فقد تبدو الصورة أكثر صفاءً، إذ تتطلع أعينهم إلى تفاصيل الحياة، وتُقبل نفوسهم على اللقاءات، فنجدهم في المجموعات، وفي مقدمة المجالس، وعلى هامش المناسبات.
وهنا يبرز السؤال: هل كانت العزلة في السابق حالة قدرية؟ أم أنها نزعة انطوائية لا يفسرها إلا الرغبة في تجنب المحيط الاجتماعي؟ ثم لماذا تحوّلت اليوم إلى النقيض، ولو كان ذلك في ظاهره فقط، بينما يخفي في باطنه حنينًا إلى سنوات الوظيفة؟
لقد لم يبقَ لهم سوى متواليات التقاعد، فأصبح البعض يستبق الزمن خوفًا من الذبول الاجتماعي، وشحوب العلاقات، فيعترض طريق كل فرصة للحضور، وكأن لسان حاله يقول: “ها أنا ذا”، في وقتٍ قد لا يُسمع فيه الصوت كما ينبغي.






