عندما أُعلنت رؤية السعودية 2030 في أبريل 2016، وعرابها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله ورعاه، استقبلناها – كأكاديميين في الإعلام – بوصفها مشروعًا طموحًا يحمل أبعادًا استراتيجية عميقة، لكنه في ذلك الوقت كان أقرب إلى إطار فكري كبير ينتظر اختبار الواقع. كنا نرى الأهداف والمستهدفات وننبهر بها، لكن التحدي الحقيقي كان: هل يمكن تحويل هذا الطموح إلى واقع ملموس؟ اليوم، وبعد قرابة عقد من الزمن، لم تعد الرؤية مجرد وثيقة أو خطاب تنموي، بل أصبحت تجربة معيشة وواقعًا يُقاس بالأثر والنتائج، وهنا يكمن التحول الحقيقي من “الفكرة” إلى “الإنجاز”.فهذا التحول انعكس بوضوح على الصورة الذهنية للمملكة العربية السعودية في الإعلام الدولي، فبعد أن كانت تُختزل في كونها دولة نفطية، أصبحت تُقدَّم اليوم كنموذج للتحول الاقتصادي والاجتماعي المتسارع. لم يأتِ هذا التغيير من فراغ، بل كان نتيجة تلاقي عدة عوامل، من أبرزها الإنجاز الفعلي للمشاريع الكبرى، والانفتاح الثقافي والسياحي، والحضور الدولي المتنامي، إضافة إلى تطور الخطاب الإعلامي الذي بدأ يدرك أهمية بناء “الرواية” لا الاكتفاء بنقل “الخبر”.
الإعلام السعودي بدوره شهد نقلة نوعية واضحة، إذ لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح مشاركًا في صياغة القصة الوطنية. هذا التحول مهم، لكنه لا يزال في طور النضج، حيث يتطلب الانتقال من التغطية إلى التأثير بناء خطاب إعلامي قادر على المنافسة عالميًا، خصوصًا في ظل بيئة إعلامية شديدة التنافس. ولعل أحد أبرز التحديات التي ما زالت قائمة يتمثل في كيفية تحويل لغة الأرقام – التي تُجيدها الرؤية – إلى قصص إنسانية مؤثرة تصل إلى الجمهور العالمي، فالعالم لا يتفاعل مع الأرقام بقدر ما يتفاعل مع التجارب الإنسانية التي تقف خلفها.وفي سياق التحولات الاجتماعية، برزت قصة المرأة السعودية كواحدة من أهم قصص التغيير، وقد نجح الإعلام إلى حد كبير في إبراز هذا التحول، لكنه في بعض الأحيان يميل إما إلى المبالغة الاحتفالية أو الطرح التقليدي. والمطلوب هنا هو تقديم صورة متوازنة تعكس الواقع كما هو: إنجازات حقيقية، وتحديات قائمة، وتجارب إنسانية تستحق أن تُروى بعمق ومهنية.
أما على مستوى السياحة، فقد لعب الإعلام دورًا مهمًا في إبراز التحول الكبير الذي شهدته المملكة، خاصة مع بروز وجهات عالمية مثل العلا ومشروع البحر الأحمر، إلا أن التأثير الدولي الحقيقي لم يكن نتيجة الإعلام وحده، بل نتيجة تكامل الإعلام مع جودة المنتج السياحي ذاته، فالإعلام لا يصنع النجاح، بل يعكسه ويضخّمه.وعندما ننظر إلى المشاريع الكبرى مثل تروجينا والمربع الجديد، نجد أنها قُدّمت إعلاميًا بصورة مبهرة، لكن التحدي في المرحلة القادمة يكمن في الانتقال من الإبهار البصري إلى ترسيخ القيمة الحقيقية لهذه المشاريع في وعي الجمهور، محليًا وعالميًا. وفي المقابل، هناك مشاريع أخرى لم تعد مجرد خطط أو إعلانات، بل أصبحت جزءًا من حياة الناس اليومية، مثل المواسم الترفيهية، والتحول الرقمي في الخدمات، وتحسن جودة الحياة، وهي في الحقيقة المؤشر الأصدق على نجاح الرؤية.
إن تحقيق بعض مستهدفات الرؤية قبل موعدها، مثل تمكين المرأة وزيادة نسبة تملك السكن، يعكس كفاءة التنفيذ ووضوح التخطيط ودعم القيادة، ويعزز من مصداقية المشروع الوطني على المستويين الداخلي والخارجي. ومع ذلك، فإن المرحلة القادمة حتى عام 2030 تحمل تحديات كبيرة، من أبرزها المنافسة العالمية في صناعة المحتوى، ومواجهة حملات التضليل الإعلامي، وتحقيق التوازن بين سرعة النشر ودقة المعلومة، إضافة إلى الحاجة لبناء رواية وطنية موحدة وقادرة على الإقناع.وفي ظل الاستعداد لاستضافة أحداث عالمية كبرى مثل إكسبو الرياض 2030 وكأس العالم 2034، يصبح الإعلام أمام اختبار حقيقي، يتطلب تبني استراتيجيات استباقية، وتدريب الكوادر الإعلامية وفق المعايير العالمية، وإنتاج محتوى متعدد اللغات، مع التركيز على تجربة الزائر بوصفها قصة تُروى للعالم.
يمكن القول في الختام بإن السعودية اليوم لا تعيش مجرد مرحلة تحول، بل تكتب قصة استثنائية في التنمية والتغيير، والإعلام أمام مسؤولية تاريخية في نقل هذه القصة للعالم. فالإعلام ليس مجرد مرآة للواقع، بل هو صانع للانطباع، ومُشكّل للوعي، ومن يمتلك القدرة على رواية القصة بإبداع وصدق يمتلك التأثير.
0





