المقالات

الإعلام في زمن الخوارزميات… من يقود المشهد: الإنسان أم الذكاء الاصطناعي؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تُضاف إلى أدوات العمل الإعلامي، بل أصبح قوة فاعلة تعيد تشكيل ملامح الصناعة الإعلامية برمتها، وتفرض واقعًا جديدًا تتداخل فيه الخوارزميات مع القرار التحريري، وتتحول فيه غرف الأخبار إلى بيئات رقمية ذكية تعتمد على البيانات والتحليل والتنبؤ. ومن هنا تبرز أهمية انعقاد المؤتمر الدولي العاشر للجمعية السعودية للإعلام والاتصال تحت عنوان “إعلام الذكاء الاصطناعي… الفرص والتحديات”، كمنصة علمية ومهنية تستشرف المستقبل وتناقش بعمق أبعاده المختلفة.

يسعى المؤتمر إلى تحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز الطرح النظري إلى بناء وعي مهني متقدم بطبيعة التحول الإعلامي، وتعزيز جاهزية المؤسسات الإعلامية لمواكبة التطورات التقنية المتسارعة، إلى جانب دعم التكامل بين الجهات الأكاديمية والإعلامية والقطاع الخاص، وفتح آفاق جديدة للاستثمار في الإعلام الذكي بوصفه أحد المسارات الواعدة في الاقتصاد المعرفي. وتكشف جلسات المؤتمر عن ثراء في الطرح وتنوع في الزوايا؛ إذ تتناول في يومها الأول دور المؤسسات الإعلامية في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، وعلاقة الجمهور بالمحتوى الذكي، وتأثير الأتمتة على الوظائف الإعلامية، فضلًا عن مناقشة قضايا التعليم الإعلامي والتدريب، وعرض نماذج وتجارب تطبيقية تعكس التحول الواقعي في الممارسة المهنية. وفي اليوم الثاني، يتجه النقاش نحو الأبعاد الأعمق، حيث تُطرح قضايا القيم المهنية والهوية الإعلامية في ظل الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، والتحديات التشريعية، وأخلاقيات الممارسة الإعلامية في عصر تتحكم فيه الخوارزميات بجزء كبير من تدفق المعلومات. ولا يقف دور المؤتمر عند حدود التشخيص، بل يمتد إلى تمكين الإعلاميين من أدوات هذا التحول، من خلال ربط الجانب الأكاديمي بالتطبيقي، واستعراض تجارب واقعية في توظيف الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الإعلامية، بما يسهم في تطوير المهارات المهنية، وتقليص الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، وتهيئة الكفاءات الوطنية للتعامل مع بيئة إعلامية جديدة تتطلب سرعة في الأداء ودقة في التحليل وابتكارًا في صناعة المحتوى. وفي مقابل هذه الفرص، يطرح المؤتمر جملة من التحديات التي لا يمكن تجاهلها، في مقدمتها التحديات الأخلاقية المرتبطة بالمحتوى المنتج آليًا، وقضية المصداقية في ظل انتشار الأخبار المولدة عبر الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التحديات المهنية المرتبطة بتغير طبيعة الوظائف الإعلامية، والتحديات التشريعية والتنظيمية التي تتطلب أطرًا واضحة لضبط استخدام هذه التقنيات، فضلًا عن التحديات الاقتصادية المرتبطة بالاستثمار في هذا المجال وضمان استدامته.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل الإعلام في المملكة يتجه نحو نموذج أكثر ذكاءً وتكاملًا، يقوم على توظيف التقنيات الحديثة دون التفريط في القيم المهنية والهوية الثقافية. فالمملكة، في ظل رؤية 2030، تمضي بخطى واثقة نحو بناء منظومة إعلامية متقدمة، قادرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا، مستفيدة من التكامل بين المؤسسات التعليمية والإعلامية والقطاع الخاص.
ويبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة: هل سيظل الإنسان هو العقل المدبر للعمل الإعلامي، أم أن الخوارزميات ستعيد تعريف الدور البشري داخل هذه الصناعة؟ ربما لا تحمل المرحلة الراهنة إجابة حاسمة، لكنها بلا شك تؤكد أن الإعلام، كما نعرفه اليوم، يقف على أعتاب تحول تاريخي… تحول سيعيد رسم ملامح المهنة، ويحدد من يقود المشهد في عصر الذكاء الاصطناعي.

• أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

د. تركي بن فهد العيار

أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى