المقالات

السعودية ومصر… تاريخ يصنعه المصير وعلاقة تتجاوز السياسة إلى العمق الاستراتيجي

العلاقة بين المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية
ليست علاقة سياسية عابرة ولا تقاطع مصالح مؤقتا تفرضه الظروف ثم ينتهي بانتهائها بل هي علاقة تشكلت عبر الزمن وترسخت بالمواقف الكبرى حتى غدت واحدة من أعمق العلاقات في العالم العربي وأكثرها رسوخا في الوجدان والتاريخ.

فمصر ليست دولة عادية في محيطها العربي بل هي قلب حضاري كبير وعمق إنساني وثقافي وعسكري ممتد بينما تمثل المملكة العربية السعودية ثقلا دينيا وسياسيا واقتصاديا بالغ الأثر وحين يلتقي هذان الثقلان فإنهما لا يصنعان علاقة ثنائية فحسب بل يسهمان في حفظ توازن المنطقة وصيانة استقرارها.

ولم تبدأ هذه العلاقة في زمن قريب بل تمتد جذورها إلى مراحل مبكرة من تاريخ الدولة السعودية الحديثة حين كانت مصر حاضرة في ميادين التعليم والإدارة والمعرفة وأسهم أبناؤها في بناء مؤسسات الدولة الحديثة وكان ذلك وجها من وجوه التلاقي العميق بين شعبين جمعتهما اللغة والدين والوجدان وروح الانتماء الواحد.

ثم جاءت اللحظات الكبرى التي تمتحن فيها العلاقات وتنكشف فيها معادن الدول فحين خاضت مصر حروبها المصيرية لم تكن المملكة بعيدة عن الموقف ولم تقف موقف المتفرج بل حضرت دعما وسندا ومؤازرة لأن القيادة السعودية كانت تدرك أن مصر إذا اشتدت اشتد معها الجسد العربي كله وإذا ضعفت اختل ميزان المنطقة بأسرها. وقد شارك ملوك المملكة العربية السعودية في الوقوف مع مصر في حروبها وساندوها في أشد المنعطفات والتاريخ لا ينسى هذه المواقف لأنها لم تكن مجاملة سياسية بل كانت تعبيرا صادقا عن وعي عميق بوحدة المصير.

وفي حرب أكتوبر برز الموقف السعودي بوصفه موقفا تاريخيا مفصليا حين جرى توظيف النفط سلاحا سياسيا في معركة الكرامة فكان القرار السعودي جزءا مؤثرا من مشهد المواجهة الكبرى وأسهم في تغيير موازين القوى وأكد أن الوقوف مع مصر لم يكن مجرد تأييد لفظي بل كان فعلا تاريخيا له وزنه وأثره في مجرى الأحداث.

ولهذا فإن العلاقة بين مصر والسعودية ليست علاقة يمكن أن تنكسر عند أول تباين أو تضعف أمام رأي عابر أو ضجيج إعلامي لأن العلاقات التي تعبر عقودا من المواقف المشتركة لا تقاس بما يطفو على السطح بل بما ترسخ في العمق من تاريخ وتجربة ومصير.

وفي جوهر الأمر فإن العلاقات الكبرى لا تخضع لسطوة خبر عابر ولا تختزلها قراءة صحفية عاجلة ولا يغير جوهرها اختلاف مؤقت لأن ما تصنعه المواقف العظيمة ويحفظه التاريخ لا تزعزعه التقلبات السريعة. فمصر والسعودية لم تجمعهما لحظة سياسية عابرة بل جمعهما تاريخ ممتد ومواقف جسام وأوقات كانت فيها وحدة الصف بينهما من شروط التوازن في المنطقة. ولهذا فإن ما قد يبدو على السطح من تباين أو سوء فهم لا يملك أن يمس ذلك العمق الراسخ لأن التاريخ لا يخلد الضجيج بل يخلد المواقف ولا يحفظ العابر بل يحفظ الثابت. ومن ثم يبقى ما بين مصر والسعودية علاقة مصير لا علاقة ظرف وروابط راسخة لا صلات مؤقتة وتاريخا مشتركا لا تهزمه الأيام ولا تطفئ معناه الخلافات العابرة

أ. د. عايض محمد الزهرانيI

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى