المقالات

القائد الناجح يحيط نفسه بالأكفاء (٢)

هذا المقال هو تتمة للمقال السابق الذي تطرقنا فيه إلى أن القيادة الحقيقية لا تقاس بقدرة القائد على الظهور وحده، ولا بكثرة من يصفقون له، بل بقدرته على صناعة بيئة ينجح فيها الآخرون، وتكبر فيها المؤسسة حتى تصبح أقوى من الأفراد وأبقى من الأسماء. فالقائد الضعيف يخشى الكفاءات حوله، ويبحث عمن يضمن له الولاء ولو على حساب الجودة، أما القائد الواثق فإنه يحيط نفسه بالأقوياء، لأنه يدرك أن نجاحه الحقيقي ليس في احتكار الضوء، بل في بناء منظومة قادرة على الإنجاز والاستمرار.

ولهذا كانت أعظم القيادات في التاريخ هي التي أحسنت اكتشاف الرجال، ووضع كل كفاءة في موضعها المناسب، فبنت دولا ومؤسسات لا تعتمد على فرد مهما بلغت عبقريته.

وتطرقنا في المقال السابق لنماذج من التاريخ لتلك القيادات وبمقالنا هذا سنتطرق لنماذج قيادية بارزة في تاريخ المملكة أدركت أن نهضة الأوطان لا يصنعها شخص واحد، بل تصنعها العقول المتنوعة والكفاءات الممكنة.

فـالملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله كان صاحب رؤية إدارية واسعة، وقد شهدت المملكة في عهده قفزات كبيرة في البنية التحتية والتعليم والاقتصاد والإدارة. ولم يكن ذلك ليحدث لولا اعتماده على رجال دولة أكفاء، منحهم الثقة والمساحة للعمل، فبنى مؤسسات قوية، ورسخ مفهوم الدولة المؤسسية الحديثة، حتى أصبح عهده مرحلة مفصلية في التنمية السعودية.

ثم جاء الملك الإنسان عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله لذي عرف بقربه من الناس واهتمامه بالإصلاح والتطوير، وكان من أبرز سمات قيادته دعمه للكفاءات الوطنية، وإطلاقه مشاريع تعليمية وتنموية كبرى، مثل برنامج الابتعاث الذي صنع جيلا واسعا من الكفاءات السعودية في مختلف التخصصات. وقد أدرك الملك عبدالله أن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر فقط، بل في الإنسان السعودي القادر على المنافسة عالميا.

ثم جاء الملك الحازم الثاقب النظر الحكيم الرأي عميد الاسرة المالكة الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله الذي عرف منذ سنوات إمارته للرياض بقدرته الاستثنائية على إدارة الرجال واكتشاف الكفاءات. لم يكن نجاحه الإداري قائما على الحضور الشخصي فقط، بل على بناء فرق قوية، ومتابعة دقيقة، ومنح الثقة للمجتهدين. ولهذا خرجت من مدرسته الإدارية شخصيات كثيرة تسلمت مواقع مؤثرة في الدولة، حتى أصبحت “مدرسة سلمان الإدارية” نموذجا في الحزم والانضباط والعمل المؤسسي.

ثم جاء الشاب الملهم الأمير محمد بن سلمان الذي تتلمذ على يدي ابيه فاخذ منه الحزم واضاف له العزم، جاء ليقدم نموذجا مختلفا في سرعة التحول، وجرأة القرار، والاعتماد على الكفاءات الوطنية الشابة. فالكثير من المشاريع الكبرى التي غيرت صورة المملكة خلال سنوات قليلة — من التحولات الاقتصادية، والمشاريع السياحية، والتقنية، والاستثمارية، والرياضية — لم تكن لتنجح بعقل فرد مهما بلغ ذكاؤه، بل عبر فرق عمل ضخمة ومتخصصة، أُعطيت الثقة والصلاحيات والفرصة للإنجاز.

ومن يقرأ المشهد بإنصاف يلحظ أن من أبرز أسباب نجاح الأمير محمد بن سلمان قدرته على اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب، وإعادة تشكيل المؤسسات بروح مختلفة تقوم على الإنجاز لا الأقدمية، وعلى الكفاءة لا المجاملة. ولهذا ظهرت أسماء وطنية شابة في مواقع قيادية كانت مغلقة لعقود، فتحركت مؤسسات كاملة بعدما كانت أسيرة البيروقراطية والبطء.

ولم يكن النجاح هنا مجرد شعارات، بل مشاريع وتحولات يشهد بها العالم؛ من مشاريع الرؤية العملاقة، إلى التحول الرقمي، إلى رفع كفاءة الأجهزة الحكومية، إلى استقطاب الخبرات العالمية، إلى بناء بيئة تنافسية جعلت كثيرا من المؤسسات السعودية تعمل بعقلية عالمية.

وفي الجانب الإداري والفكري يظل غازي القصيبي رحمه الله واحدا من أكثر النماذج إلهاما في القيادة الحديثة. فقد كان يؤمن أن المسؤول الناجح لا يصنع حوله موظفين صامتين، بل يصنع عقولا تفكر وتنتقد وتعمل. وكان معروفا باحتضانه للكفاءات الشابة، ومنحه الفرص للمتميزين، حتى لو اختلفوا معه.

وحين تولى وزارة الصحة ثم المياه والكهرباء ثم العمل، لم يكن يدير المؤسسات بعقلية الموظف التقليدي، بل بعقلية القائد الذي يريد إحياء الروح داخل المؤسسة. وكان يختار المتميزين ويمنحهم الثقة، ويكره التطبيل والبيروقراطية الجامدة، ولهذا بقي أثره الإداري والإنساني حاضرا حتى بعد رحيله، وإنني انصح كل من تولى إدارة ان يقرا كتابه حياة في الإدارة ففيه إضاءات ترشد كل قائد وتوجهه.

ومن النماذج الأكاديمية الملهمة كذلك الدكتور بكر بن عبدالله بن بكر، أحد أبرز القيادات التي ارتبط اسمها بـ جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، والذي يعده كثيرون من المؤسسين الحقيقيين لنهضتها الأكاديمية والإدارية. فقد أسهم برؤية بعيدة في بناء بيئة جامعية صارمة وعالية الجودة، تقوم على استقطاب الكفاءات المتميزة، والانضباط الأكاديمي، وربط الجامعة باحتياجات التنمية وسوق العمل، حتى أصبحت الجامعة واحدة من أقوى الجامعات في المنطقة، ومصنعا حقيقيا للعقول الوطنية في مجالات الهندسة والطاقة والتقنية والإدارة.

ولم تصل الجامعة إلى هذه المكانة بالصدفة، بل بعقلية قيادية كانت تؤمن أن الجامعة القوية لا تبنى بالمباني وحدها، بل بالعقول اللامعة، والأساتذة المتميزين، والطلاب المتفوقين، والبيئة التي تحترم الجدية والعمل والابتكار.

وهكذا تؤكد كل التجارب الناجحة أن القائد الحقيقي لا يخاف من بروز من حوله، بل يسعد بذلك، لأنه يدرك أن نجاح المؤسسة لا يتحقق بتضخم صورة القائد، وإنما بتكامل العقول وتعدد الخبرات.

وقديما قال الحكماء:
“اعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله”.

وقال الشاعر:

إذا كنت في حاجة مرسلا
فأرسل حكيما ولا توصه

الخلاصة
القيادة ليست في صناعة التابعين، بل في صناعة القادة، وليست في إضعاف من حولك، بل في تمكينهم، لأن المؤسسات العظيمة لا تبنى بالأفراد وحدهم، بل بالعقول التي يعرف القائد كيف يكتشفها، ويحتضنها، ويمنحها فرصة أن تصنع معه المجد والأثر والبقاء.

أ.د. عمر بن عبدالله الهزازي

أستاذ الكيمياء بجامعة أم القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى