كل تحول مؤسسي كبير يطرح سؤالًا يتجاوز بناء الأنظمة وتطوير الإجراءات: من الذي يقود المنظومة في نهاية المطاف، المقاصد التي أُنشئت من أجلها أم الوسائل التي تديرها؟ ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في التعليم، حيث تتسارع عمليات التحول وتتنامى قدرات القياس والمتابعة وصنع القرار بصورة غير مسبوقة.
وقد يبدو هذا السؤال بديهيًا للوهلة الأولى، لكن قيمته الحقيقية تظهر عند التأمل في طبيعة التحولات المؤسسية واسعة النطاق. فمشروعات التغيير تنشغل – بحكم طبيعتها – ببناء الهياكل وتطوير الإجراءات وتعزيز القدرة على المتابعة واتخاذ القرار. وهي متطلبات ضرورية لا غنى عنها، غير أن نجاحها النهائي لا يُقاس بما تضيفه من وسائل إدارة وضبط، بل بما تحققه من أثر في المجال الذي أُنشئت من أجله.
وتزداد أهمية هذا المعنى في التعليم تحديدًا؛ لأنه يختلف عن كثير من القطاعات الأخرى. فالتعليم لا ينتج سلعة ولا يقدم خدمة نمطية. إنه المجال الذي تتشكل فيه المعرفة، وتتكون فيه القيم، وتُبنى فيه الهوية، وتُصاغ من خلاله علاقة الفرد بمجتمعه ووطنه ومستقبله. ولهذا تتجاوز آثاره ما يمكن أن تعكسه مؤشرات التشغيل أو تختزله البيانات الكمية.
ولهذا فإن أي مشروع لتحويل التعليم لا يمكن أن يُحاكم بالمعايير التشغيلية فقط، لأن موضوعه في النهاية هو الإنسان لا الإجراء. ومن هنا تبرز الحاجة إلى أنسنة التحول التعليمي. والمقصود بذلك ليس التراجع عن الحوكمة أو التقليل من أهمية القياس والتقويم أو إبطاء مسار التحول الرقمي، وإنما المحافظة على العلاقة الصحيحة بين الوسائل والمقاصد التعليمية. فالقيمة الحقيقية لأي منظومة لا تقاس بما تمتلكه من آليات، بل بقدرتها على إبقاء تلك الآليات خاضعة للمقاصد التي أُنشئت من أجلها.
غير أن العلاقة بين الوسيلة والغاية لا تبقى دائمًا مستقرة أثناء التحولات الكبرى. وتكمن المفارقة في أن النظم المصممة لضمان نجاح التحول قد تتحول مع الوقت إلى مرجعية حاكمة له. فكلما توسعت عمليات القياس والمتابعة والمساءلة، انجذب الاهتمام المؤسسي إلى ما يسهل تحويله إلى مؤشرات وأرقام، بينما تتراجع الجوانب الأقل قابلية للاختزال الكمي رغم أنها غالبًا الأكثر أثرًا. وهكذا تنتقل المؤشرات تدريجيًا من موقع القياس إلى موقع التوجيه، فلا تكتفي برصد النجاح، بل تسهم في تحديد معناه وحدوده.
ولا تنشأ المشكلة من كثافة البيانات أو اتساع حضور المؤشرات، فهذه من سمات الإدارة الحديثة، وإنما من انتقالها تدريجيًا من موقع الأداة إلى موقع المرجعية. وتكشف الخبرات المؤسسية المتراكمة أن الأنظمة لا تفقد مقاصدها عادة بصورة مباشرة، بل تعيد ترتيب أولوياتها تحت تأثير ما تستطيع قياسه وإدارته. ومع مرور الوقت تنجذب الموارد والجهود والقرارات إلى المجالات الأكثر قابلية للمتابعة الكمية، بينما يتراجع حضور الجوانب الأقل قابلية للاختزال الرقمي رغم أهميتها في تحقيق المقاصد التعليمية.
وما يجعل هذا التحول أكثر تأثيرًا أنه لا يغير طريقة الحكم على الأداء فحسب، بل يعيد تشكيل الأولويات التي تُبنى عليها السياسات والقرارات.
فحين تصبح المؤشرات مرجعية للحكم على النجاح، تكتسب المجالات القابلة للقياس وزنًا أكبر في صناعة القرار، بينما يتراجع – بصورة تدريجية وغير مقصودة – حضور الجوانب التي يصعب التعبير عنها بأرقام أو مقاييس كمية، رغم كونها جزءًا أصيلًا من رسالة التعليم ووظيفته الحضارية.
وتكتسب هذه القضية بعدًا إضافيًا في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت المنظومات قادرة على إنتاج كميات غير مسبوقة من البيانات والتحليلات والتنبؤات. غير أن اتساع القدرة على التحليل لا يحل محل وضوح الرؤية التي ينبغي أن توجهه. فالتقنية قادرة على تحسين كفاءة القرار وتسريع الوصول إلى البدائل وتقدير الاحتمالات، لكنها لا تستطيع أن تحدد ما الذي يستحق أن يكون هدفًا للتعليم أصلًا. ولهذا تظل قيمة الذكاء الاصطناعي مرتبطة بوضوح الرؤية التي تقوده، لا بحجم البيانات التي يعالجها أو دقة النماذج التي يبنيها.
وكلما ازدادت قدرة المنظومات على القياس والتنبؤ، ازدادت الحاجة إلى وضوح المقاصد التي تضمن بقاء وسائل الإدارة والمتابعة في حدود وظيفتها الأصلية، وألا تتحول إلى مرجعيات تعيد توجيه مسار المنظومة.
ويمكن فهم هذه المعضلة من خلال تشبيه بسيط: فالمؤشرات تشبه لوحة العدادات في المركبة؛ أهميتها لا جدال فيها، ولا يمكن قيادة الرحلة من دونها، لكنها لم تُصمم لتحديد وجهة السير. فوظيفتها أن تخبرنا بما يحدث، لا أن تقرر إلى أين ينبغي أن نتجه. وعندما تتجاوز حدودها هذه، لا تعود أداة لقراءة المسار، بل تصبح طرفًا في تحديده.
وفي ظل التحولات الكبرى التي يشهدها التعليم السعودي اليوم، لا يتمثل التحدي الحقيقي في امتلاك مزيد من الوسائل الإجرائية أو إنتاج مزيد من المؤشرات، بل في المحافظة على العلاقة الصحيحة بينها وبين المقاصد التي وُجدت لخدمتها. فالخبرة المؤسسية تكشف أن الأنظمة لا تنحرف عن مقاصدها غالبًا لأنها تخلت عنها، بل لأنها أعادت ترتيب أولوياتها تدريجيًا وفق ما تستطيع متابعته وقياسه، حتى تصبح مقاييس الأداء مرجعًا ضمنيًا لتعريف النجاح بدل أن تبقى وسيلة للحكم عليه.
ومن هنا لا يقاس نجاح التحول بقدرة المنظومة على توسيع نطاق القياس والمتابعة فحسب، بل بقدرتها على منع هذه الوسائل من إعادة تشكيل المعايير التي يُحكم من خلالها على نجاح التعليم. فليس التحدي في تطوير منظومات الإدارة والضبط، بل في الحفاظ على خضوعها للرسالة التعليمية التي وُجدت لخدمتها.
فالأزمة لا تبدأ عندما تعجز الأنظمة عن تحقيق أهدافها، بل عندما تعيد تعريف الأهداف وفق ما تستطيع قياسه.
أستاذ القيادة التربوية
مدير عام التعليم بمنطقة مكة سابقًا
# التحول_التعليمي



