المقالات

تخصصات العربية والتاريخ : جذور الهوية ونبض الانتماء.

لغةُ الأمةِ روحُها، فإذا خبت جذوتها خبا معها نبض الهوية، وإذا ازدهرت أشرقت ملامح المجد في جبين التاريخ.
ولغتنا العربية لغة القرآن الكريم، ليست مجرد أصواتٍ تتردد على الألسن، بل كيانٌ حيٌّ يسري في عروق الأمة، ويحفظ ذاكرتها، ويصون انتماءها.
إنها الوعاء الذي يحمل فكرنا، والجسر الذي يصل حاضرنا بماضٍ عريق، فمَن فرّط فيها، كأنما فرّط في ذاته، وترك ملامحه تتلاشى في زحام الزمن.
وفي بلادنا المباركة تتجلى عنايةٌ خاصة بهذه اللغة العظيمة، إذ شرفها الله بأن تكون لغة كتابه الكريم الذي نزل على نبينا محمد ﷺ في هذا البلد الأمين ، ومن هنا، فإن العناية بالعربية ليست ترفًا ثقافيًا، بل واجبٌ حضاري، ومسؤولية وطنية تتطلب تضافر الجهود لترسيخها في نفوس الأجيال.
ويقع على عاتق المؤسسات التعليمية دورٌ محوري في هذا المسار، من خلال تطوير أساليب تدريسها، وتنويع برامجها وأنشطتها، وصقل مهارات الطلاب والطالبات في الخطابة والإلقاء، وتعزيز قدراتهم في مختلف الفنون الأدبية، حتى تظل العربية حيّة نابضة في وجدانهم، ومصدر فخرٍ واعتزاز بانتمائهم.
وإذا كانت اللغة روح الأمة، فإن التاريخ هو ذاكرتها الحيّة التي تحفظ مسيرتها ، وتروي أمجادها ، وتاريخ هذه البلاد المباركة يمتد من بعثة الرسول الكريم ﷺ على ثراها الطاهر، مرورًا بمراحل التأسيس والتوحيد، وصولًا إلى هذا العصر الزاهر الذي يشهد نهضةً شاملة في مختلف الميادين.
وقد تميّزت المملكة بدورها الريادي في خدمة الحرمين الشريفين، ورعاية الحجاج والمعتمرين والزائرين، فضلًا عما تقدمه من عونٍ ومساعدات إنسانية لمختلف شعوب العالم، في صورةٍ مشرقة تعكس قيمها الراسخة ومبادئها النبيلة مما يستوجب حفظ هذه الجهود والمبادرات ، وتوثيقها ليطلع عليها الأجيال جيلاً بعد جيل .
غير أن هذا التاريخ المجيد، وهذه اللغة العريقة، يواجهان تحديًا حين يُدفع بهما إلى هامش الاهتمام في بعض مؤسساتنا التعليمية تحت ذريعة مواكبة متطلبات سوق العمل.
والحقيقة أن بناء الإنسان لا يكتمل بالمهارات المهنية وحدها، بل يحتاج إلى جذورٍ راسخة في لغته وتاريخه، تمنحه الوعي والانتماء، وتجعله أكثر قدرة على الإبداع والعطاء.
إن الحفاظ على اللغة العربية والاعتزاز بتاريخنا ليس خيارًا، بل ضرورة لبقاء الهوية واستمرار الحضارة ، فالأمم التي تحفظ لغتها وتاريخها، تحفظ مكانتها بين الأمم، وتبني مستقبلها على أسسٍ راسخة من الوعي والانتماء.

د. فايز الأحمري

كاتب صحافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى