المقالات

كيف تصنع الجامعات العظمى قوة الدول؟

لا يدرك كثيرون أن الأرقام العالمية التي تابعها العالم خلال جائحة كورونا كانت صادرة عن جامعة أمريكية واحدة، هي “جونز هوبكنز”، في دلالة عميقة على قوة المعرفة ودور الجامعات في قيادة العالم.

بدأت قصة التعليم العالي في أمريكا مع تأسيس جامعة هارفارد عام 1636، لكنها كانت ذات طابع ديني. ومع مرور الوقت، تطور مفهوم الجامعة تدريجيًا، حتى جاءت اللحظة الفاصلة مع تأسيس جامعة “جونز هوبكنز” عام 1876، التي دشّنت نموذج “الجامعة البحثية”.

هذا النموذج لم يعد يركز على تخريج الطلاب فقط، بل على إنتاج المعرفة، وربط البحث العلمي بالصناعة والاقتصاد. وهنا تحولت الجامعة إلى محرك رئيسي للدولة، لا مجرد مؤسسة تعليمية.

وقد دعمت هذه النهضة شراكة ذكية بين قادة الجامعات ورجال الأعمال، حيث موّلت التبرعات الضخمة البحث العلمي، واستُثمرت في استقطاب العقول الموهوبة، كما فعل “مايكل بلومبيرغ” حين قدّم مليارات الدولارات لدعم الطلاب المتميزين.

وتشير الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من الصناعات الأمريكية الحديثة قامت على اكتشافات جامعية، مما يؤكد أن البحث العلمي هو أساس التفوق الاقتصادي.

لم تبتكر أمريكا هذا النموذج، بل استلهمته من الجامعات الألمانية، ثم طورته حتى أصبحت جامعاتها في صدارة التصنيفات العالمية، خاصة بعد تراجع أوروبا خلال الحروب.

واليوم تحاول قوى صاعدة كالصين تكرار التجربة، إدراكًا منها أن السباق الحقيقي هو سباق علم ومعرفة.

الخلاصة أن سر قوة الدول الحديثة لا يكمن فقط في الموارد أو السياسة، بل في الجامعات التي تنتج المعرفة، وتُعدّ العلماء، وتربط العلم بالواقع.

فمن يملك العلم… يملك العالم.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى